×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

اليوم العالمي للتصوير.. ذاكرة عسير بعدسة المصورين

إعداد / ناجي الخلف 
يحتفي العالم في 19 أغسطس من كل عام باليوم العالمي للتصوير الفوتوغرافي، في مناسبة تستعيد فيها الصورة مكانتها بوصفها لغة بصرية تتجاوز حدود الكلمات، ووسيلة لحفظ الذاكرة وتوثيق الإنسان والمكان والتحولات الاجتماعية والثقافية.

وفي منطقة عسير، اكتسب التصوير الفوتوغرافي حضورًا خاصًا، مستفيدًا من تنوع الطبيعة وتفرد العمارة المحلية والموروث الشعبي والحياة الاجتماعية، لتتحول عدسات المصورين إلى شاهد بصري على تفاصيل المنطقة، من جبالها ومدرجاتها الزراعية وقراها القديمة، إلى أسواقها وفنونها الشعبية وأزيائها وألوانها المعمارية.

من التوثيق إلى الفن

مرّ التصوير في عسير بتحولات متعددة؛ فبعد أن ارتبط في بداياته بالتوثيق الشخصي والاجتماعي وتسجيل المناسبات والمناظر، تطور تدريجيًا ليصبح مجالًا فنيًا وثقافيًا له حضوره وممارسوه ومؤسساته وبرامجه.

وتكشف تجارب المصورين في المنطقة عن هذا التحول؛ فقد استضاف نادي عسير الفوتوغرافي، على سبيل المثال، المصور أحمد علي صغير عسيري الذي تحدث عام 2014 عن تجربة فوتوغرافية امتدت 40 عامًا، مستعرضًا أنواع الكاميرات التي استخدمها ومحطات تجربته وأبرز أعماله.

ومع تطور التقنية، انتقل المصور في عسير من الكاميرات التقليدية والأفلام والتحميض والطباعة إلى الكاميرات الرقمية، ثم إلى الهواتف الذكية وتقنيات المعالجة الرقمية، وهو ما جعل ممارسة التصوير أكثر انتشارًا، وفتح المجال أمام جيل جديد من المصورين والمصورات.

عسير.. مختبر بصري مفتوح

ساعد التنوع الجغرافي والثقافي في عسير على تشكيل هوية تصويرية خاصة؛ فالمنطقة تقدم للمصور مشاهد مختلفة في المكان والزمان، من الضباب والجبال إلى العمارة الطينية والحجرية، ومن الزراعة والمدرجات إلى الفنون الشعبية والأزياء والحرف التقليدية.

ولم يعد المصور يكتفي بالتقاط جمال المشهد، بل أصبح شريكًا في حفظ الذاكرة البصرية للمكان. وقد أكدت فعاليات التصوير في المنطقة أهمية الدور التوثيقي للمصورين في إبراز المكونات السياحية والتراثية والحضارية لعسير، ونقلها عبر الصورة والفيديو ووسائل الإعلام المختلفة.

وتبرز أهمية هذا الدور بصورة أكبر في توثيق التفاصيل التي قد تتغير أو تختفي مع الزمن؛ مثل البيوت القديمة، والأبواب الخشبية، والزخارف، والأزياء، والحرف، والمناسبات الاجتماعية والفنون الشعبية. فالصورة هنا لا تسجل لحظة عابرة فحسب، وإنما تحفظ جزءًا من تاريخ المجتمع للأجيال القادمة.

ظهور الحراك الفوتوغرافي المنظم

شهدت عسير خلال السنوات الماضية نموًا واضحًا في الحراك الفوتوغرافي من خلال الأندية والبرامج والورش والمعارض والملتقيات. وأسهم نادي عسير الفوتوغرافي في بناء مجتمع يجمع الهواة والمحترفين، وتنظيم اللقاءات التدريبية والفنية، وإتاحة الفرصة للمصورين لتبادل التجارب.

وفي عام 2019، أقام النادي ملتقى عسير فوتو لمدة عشرة أيام، تضمن ورشًا تدريبية ومعارض فنية وتجارب في التصوير الفوتوغرافي والأفلام الوثائقية، مع التأكيد على دور أبناء المنطقة في نقل جماليات عسير ومكوناتها السياحية والتراثية.

كما ناقشت ليالي الفوتوغرافيين الشتوية عام 2020 مستقبل التصوير في المنطقة، ودور المصورين في توثيق مراحل التطور التي تشهدها عسير، إلى جانب أهمية التعاون بين المصورين والمصورات في حفظ الموروث بصورة يمكن أن تتناقلها الأجيال.

الصورة اليوم.. أكثر من مجرد لقطة

مع اتساع الحراك الثقافي والفني، أصبحت الصورة في عسير جزءًا من المشهد الثقافي، لا مجرد وسيلة لتسجيل الأحداث. وأصبح المصور يتعامل مع الصورة باعتبارها رسالة يمكن أن تصنع الوعي وتقدم المكان وتناقش قضاياه وتحفظ ذاكرته.

وفي الاحتفاء باليوم العالمي للتصوير في بيت الثقافة بأحد رفيدة عام 2025، نظم نادي عسير الفوتوغرافي عددًا من الفعاليات، من بينها صالون المصورين ومعرض رقمي بعنوان صورتي المفضلة ، إلى جانب لقاء تناول تأثير الصورة ودورها في تشكيل الوعي العام.

كما واصل المشهد الفوتوغرافي في عسير حضوره خلال 2026، ومن ذلك استضافة أبها معرض ميموريا للمصور محمد محتسب، الذي استلهم التراث الإنساني وتنوع الهويات الثقافية، في امتداد للحراك البصري الذي تشهده المنطقة.

مستقبل الصورة في عسير

يمتلك التصوير الفوتوغرافي في عسير فرصة كبيرة للانتقال من مرحلة توثيق جمال المكان إلى بناء أرشيف بصري متكامل للمنطقة، يجمع الصور التاريخية والمعاصرة، ويوثق الإنسان والموروث والطبيعة والعمران والفنون والحياة اليومية.

ومع سهولة التصوير وانتشار المنصات الرقمية، أصبحت المسؤولية أكبر على المصور في اختيار ما يوثقه وكيف يقدمه؛ فالصورة التي تلتقط اليوم قد تصبح بعد سنوات وثيقة تاريخية يستند إليها الباحثون والمهتمون لفهم مرحلة من مراحل عسير.

وفي اليوم العالمي للتصوير، تبدو الرسالة الأهم أن عسير لم تكن مجرد موضوع أمام عدسة المصور، بل كانت ولا تزال ذاكرة بصرية مفتوحة؛ كل جبل وقرية وبيت قديم وزي تقليدي وفن شعبي فيها يحمل قصة، وكل صورة صادقة تحفظ شيئًا من هذه القصة قبل أن تتغير تفاصيلها.
التعليقات