×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

هل نعيش حياتنا… أم نعيشها للآخرين؟

هل نعيش حياتنا… أم نعيشها للآخرين؟
بقلم : عامر آل عامر 
في زمنٍ أصبحت فيه الكاميرا شاهدةً على تفاصيل حياتنا، لم يعد السؤال: ماذا عشنا؟ بل أصبح: ماذا سيظن الآخرون أننا عشناه؟

نذهب إلى المناسبات، فنفكر في الصورة قبل أن نفكر في اللحظة. نسافر، فنبحث عن الزاوية التي تليق بالنشر قبل أن نبحث عن المكان الذي يستحق أن يسكن الذاكرة. نشتري ما لا نحتاجه، وننفق أكثر مما نملك، فقط لأننا نخشى أن تبدو حياتنا أقل من حياة الآخرين.

حتى أفراحنا لم تعد دائمًا لنا.

أصبح البعض يختار تفاصيل يومه بعين الجمهور، ويقيس سعادته بحجم التفاعل، ويشعر أن اللحظة لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون. ومع مرور الوقت، تتحول الحياة من مساحة نعيشها إلى مسرح نحاول فيه باستمرار إثبات أننا بخير، وأننا سعداء، وأننا نملك ما يستحق الإعجاب.

لكن الحقيقة العميقة أن الإنسان قد ينشغل بإقناع الآخرين بأنه يعيش، حتى ينسى أن يعيش فعلًا.

كم من شخص اشترى شيئًا لا يحتاجه ليبدو في مستوى معين؟ وكم من أسرة أثقلتها تكاليف المظاهر، بينما كان بإمكانها أن تعيش براحة أكبر لو تحررت من سؤال: ماذا سيقول الناس؟

وكم من رحلة لم نستمتع بها كما ينبغي، لأننا كنا منشغلين بتوثيقها أكثر من عيشها؟

نحن أحيانًا لا نلتقط الصور كي نتذكر اللحظة، بل كي نثبت للآخرين أننا كنا هناك.

وهنا يبدأ الفارق بين أن تعيش اللحظة وأن تستعرضها.

الحياة الحقيقية لا تحتاج إلى جمهور. هناك أفراح أجمل لأنها بقيت بين أصحابها، ونجاحات أصدق لأنها لم تحتاج إلى تصفيق، وذكريات أكثر دفئًا لأنها لم تُستهلك أمام عدسات الهواتف.

ليس المطلوب أن نتوقف عن مشاركة أفراحنا، أو أن نخفي تفاصيل حياتنا، وإنما أن نعيد ترتيب أولوياتنا؛ أن تكون الصورة نتيجة للحظة جميلة، لا أن تصبح الصورة هي الهدف من اللحظة.

عش لأنك تحب، لا لأن الآخرين يجب أن يعرفوا أنك تحب.

سافر لأنك تريد أن ترى العالم، لا لأنك تريد أن يعرف العالم أنك سافرت.

اشترِ ما يسعدك ويخدمك، لا ما يثبت للآخرين أنك قادر على شرائه.

وافرح، حتى لو لم يصفق لك أحد.

فأجمل أنواع السعادة تلك التي لا تحتاج إلى شاهد، وأصدق اللحظات تلك التي تستطيع أن تعيشها بكامل قلبك دون أن تفكر: هل ستعجب الآخرين؟

في النهاية، لن يتذكر الناس كم صورة نشرت، ولا كم إعجابًا حصلت عليه، ولا كم مرة حاولت أن تبدو سعيدًا. أما أنت، فستتذكر الأيام التي عشتها فعلًا، والوجوه التي أحببتها، واللحظات التي شعرت فيها أنك كنت حاضرًا بقلبك لا بهاتفك.

لذلك لا تجعل حياتك مشروعًا لإرضاء أعين الآخرين. خفف عن نفسك عبء المقارنة، واترك للناس حياتهم، وخذ حياتك كما هي؛ ببساطتها، وعيوبها، وأيامها الجميلة والثقيلة.

فالحياة أقصر من أن نقضيها في محاولة إقناع الآخرين بأننا نعيشها.

عِش لنفسك، واصنع سعادتك بعيدًا عن أعين الناس، واترك بعض اللحظات بلا تصوير، وبعض الأفراح بلا إعلان، وبعض النجاحات بلا ضجيج.

فربما أجمل ما في الحياة هو أن تعيشها حتى تنسى أنك بحاجة إلى إثبات أنك تعيش.
التعليقات