معلّمك الأفضل هو العمل الذي تكرهه

بقلم / كوثر العوفي
كنتُ أظن، كغيري ممن نشأوا على شعارات التحفيز الرقمية، أن هناك في مكان ما عملًا مثاليًا ينتظرني. عملًا لو وجدته، لن أشعر فيه بالتعب، ولن أنظر إلى الساعة، ولن أحتاج إلى قهوة ثالثة لأكمل يومي. هذا الوهم، الذي رُوِّج له تحت مسمى اتبع شغفك، كلّف جيلًا كاملًا سنوات من القلق والبحث العقيم عن وظيفة تشبه الحلم. ثم أتت الوظيفة التي كرهتها.
لم تكن كارثية، لكنها لم تكن أيضًا ما تخيلته لنفسي. مهام متكررة، مديرٌ لا يرى فيك سوى رقم إنتاجية، وزملاء يعيشون اليوم نفسه كل يوم دون أن يسألوا لماذا. كرهتها بصدق. لكنني، دون أن أدرك، كنت أتعلّم فيها أكثر مما تعلمت في أي شغف ادّعيته يومًا.
المشكلة في فكرة اتبع شغفك أنها تفترض أن الشغف شيء جاهز، موجود سلفًا في مكان ما، وأن مهمتك الوحيدة هي اكتشافه. لكن الحقيقة أكثر إزعاجًا، الشغف لا يُكتشف، بل يُصنع، وهو غالبًا نتاج الإتقان لا سببه. أنت لا تحب الشيء فتتقنه، بل تتقنه فتحبه. وهذا بالضبط ما يفعله العمل الذي تكرهه، يجبرك على الإتقان دون رومانسية، دون انتظار الإلهام، لمجرد أن الفاتورة يجب أن تُدفع والمهمة يجب أن تُنجز. وفي هذا الإجبار تحديدًا تُبنى مهارات لا يبنيها الحماس وحده أبدًا، الانضباط، والصبر على الملل، والقدرة على إنجاز شيء جيد حتى حين لا تشعر بأي رغبة في فعله.
من هذه الوظيفة التي لم أحبها، تعلّمت الالتزام دون تصفيق. لا أحد يمتدحك لأنك أنجزت مهمة روتينية للمرة المئة، لكنك تتعلم أن تنجزها بإتقان رغم ذلك، وهذا نوع من النضج لا تصنعه المشاريع الملهمة التي نعمل عليها بحماس أسبوعين ثم نهجرها. وتعلّمت التعامل مع أشخاص لم أخترهم، فالشغف يخدعنا بأنه سيقودنا إلى بيئة مثالية من أشخاص متحمسين مثلنا، لكن الحياة المهنية الحقيقية مليئة بأشخاص مختلفين عنا تمامًا، وتعلّم العمل معهم رغم الاختلاف مهارة أهم بكثير من إيجاد القبيلة المناسبة.
وتعلّمت، وهذا الأهم، أن أُميّز بين الكراهية المؤقتة والضرر الحقيقي. فهناك فرق شاسع بين وظيفة مملة تُرهقك لكنها لا تؤذيك، ووظيفة سامة تستنزف صحتك النفسية أو كرامتك. الأولى معلّم قاسٍ لكنه نافع، والثانية يجب مغادرتها دون تردد. الخلط بين الاثنتين هو ما يجعل البعض يتحمّل الأذى باسم بناء الشخصية، بينما يتخلى آخرون عن أي تحدٍ حقيقي باسم اتباع الشغف.
ربما حان الوقت لنعيد تعريف الشغف، لا كبوصلة نتبعها من البداية، بل كثمرة نجنيها لاحقًا. فالشغف الذي يُبنى بعد سنوات من الإتقان القسري أعمق وأصدق بكثير من ذاك الذي يبدأ بحماسة عابرة سرعان ما تتبخر عند أول عقبة. فالنجار الذي أحب حرفته لم يبدأ بحبها، بل بدأ بالحاجة إلى إتقانها، والطبيب الذي يشعر برسالته اليوم مرّ بسنوات من التدريب المرهق الذي لم يكن فيه أي أثر للشغف الذي يتحدث عنه الآن.
العمل الذي نكرهه ليس عقابًا، ولا مرحلة يجب الهروب منها بأسرع وقت. هو، في كثير من الأحيان، الأستاذ الذي لا نختاره، لكننا نحتاجه لنصبح نسخة أكثر قدرة وصلابة من أنفسنا. وحين نتوقف عن البحث عن الحب من أول نظرة في وظائفنا، ونبدأ في السؤال ماذا يمكن أن يعلّمني هذا، حتى وأنا أكرهه؟ عندها فقط نبدأ رحلة مهنية أكثر واقعية، وربما أكثر رضا في النهاية.
لم تكن كارثية، لكنها لم تكن أيضًا ما تخيلته لنفسي. مهام متكررة، مديرٌ لا يرى فيك سوى رقم إنتاجية، وزملاء يعيشون اليوم نفسه كل يوم دون أن يسألوا لماذا. كرهتها بصدق. لكنني، دون أن أدرك، كنت أتعلّم فيها أكثر مما تعلمت في أي شغف ادّعيته يومًا.
المشكلة في فكرة اتبع شغفك أنها تفترض أن الشغف شيء جاهز، موجود سلفًا في مكان ما، وأن مهمتك الوحيدة هي اكتشافه. لكن الحقيقة أكثر إزعاجًا، الشغف لا يُكتشف، بل يُصنع، وهو غالبًا نتاج الإتقان لا سببه. أنت لا تحب الشيء فتتقنه، بل تتقنه فتحبه. وهذا بالضبط ما يفعله العمل الذي تكرهه، يجبرك على الإتقان دون رومانسية، دون انتظار الإلهام، لمجرد أن الفاتورة يجب أن تُدفع والمهمة يجب أن تُنجز. وفي هذا الإجبار تحديدًا تُبنى مهارات لا يبنيها الحماس وحده أبدًا، الانضباط، والصبر على الملل، والقدرة على إنجاز شيء جيد حتى حين لا تشعر بأي رغبة في فعله.
من هذه الوظيفة التي لم أحبها، تعلّمت الالتزام دون تصفيق. لا أحد يمتدحك لأنك أنجزت مهمة روتينية للمرة المئة، لكنك تتعلم أن تنجزها بإتقان رغم ذلك، وهذا نوع من النضج لا تصنعه المشاريع الملهمة التي نعمل عليها بحماس أسبوعين ثم نهجرها. وتعلّمت التعامل مع أشخاص لم أخترهم، فالشغف يخدعنا بأنه سيقودنا إلى بيئة مثالية من أشخاص متحمسين مثلنا، لكن الحياة المهنية الحقيقية مليئة بأشخاص مختلفين عنا تمامًا، وتعلّم العمل معهم رغم الاختلاف مهارة أهم بكثير من إيجاد القبيلة المناسبة.
وتعلّمت، وهذا الأهم، أن أُميّز بين الكراهية المؤقتة والضرر الحقيقي. فهناك فرق شاسع بين وظيفة مملة تُرهقك لكنها لا تؤذيك، ووظيفة سامة تستنزف صحتك النفسية أو كرامتك. الأولى معلّم قاسٍ لكنه نافع، والثانية يجب مغادرتها دون تردد. الخلط بين الاثنتين هو ما يجعل البعض يتحمّل الأذى باسم بناء الشخصية، بينما يتخلى آخرون عن أي تحدٍ حقيقي باسم اتباع الشغف.
ربما حان الوقت لنعيد تعريف الشغف، لا كبوصلة نتبعها من البداية، بل كثمرة نجنيها لاحقًا. فالشغف الذي يُبنى بعد سنوات من الإتقان القسري أعمق وأصدق بكثير من ذاك الذي يبدأ بحماسة عابرة سرعان ما تتبخر عند أول عقبة. فالنجار الذي أحب حرفته لم يبدأ بحبها، بل بدأ بالحاجة إلى إتقانها، والطبيب الذي يشعر برسالته اليوم مرّ بسنوات من التدريب المرهق الذي لم يكن فيه أي أثر للشغف الذي يتحدث عنه الآن.
العمل الذي نكرهه ليس عقابًا، ولا مرحلة يجب الهروب منها بأسرع وقت. هو، في كثير من الأحيان، الأستاذ الذي لا نختاره، لكننا نحتاجه لنصبح نسخة أكثر قدرة وصلابة من أنفسنا. وحين نتوقف عن البحث عن الحب من أول نظرة في وظائفنا، ونبدأ في السؤال ماذا يمكن أن يعلّمني هذا، حتى وأنا أكرهه؟ عندها فقط نبدأ رحلة مهنية أكثر واقعية، وربما أكثر رضا في النهاية.