×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

أخلاقك هي سيرتك الذاتية

أخلاقك هي سيرتك الذاتية
بقلم / عبدالله شراحيلي 
في زمنٍ أصبحت فيه السِّيَر الذاتية تُكتب بعناية، وتُرصّ فيها الشهادات والمناصب والإنجازات، تبقى هناك سيرةٌ أخرى لا يكتبها صاحبها، ولا تحتاج إلى ورقٍ أو حبر؛ إنها السيرة التي تكتبها أخلاقه في قلوب الناس
قد يملك الإنسان علمًا واسعًا، ومنصبًا رفيعًا، وحضورًا لافتًا، وقد تتقدم صورته في المجالس قبل أن يتقدم هو، لكن كل ذلك يفقد بريقه حين تغيب الأخلاق. فالإنسان لا يُقاس بما يملك، وإنما بما يمنحه للآخرين من احترام، وما يتركه في نفوسهم من أثر.
الأخلاق ليست كلماتٍ نرددها في المناسبات، ولا عباراتٍ نضعها في مقدمة الحسابات الشخصية، بل هي مواقف تظهر حين لا يكون هناك جمهور، حين تستطيع أن ترد الإساءة بإساءة ثم تختار العفو، وحين تكون قادرًا على تجاهل الضعيف ثم تختار أن تمد له يد العون.
قد ينسى الناس ما قلته لهم، وقد لا يتذكرون تفاصيل اللقاءات، لكنهم نادرًا ما ينسون كيف جعلتهم يشعرون.
هناك إنسانٌ إذا دخل مجلسًا اتسعت له القلوب قبل المقاعد، وإذا تحدث أنصت الجميع؛ ليس لأنه الأعلى صوتًا، بل لأن في حديثه احترامًا، وفي حضوره تواضعًا، وفي اختلافه أدبًا.
وهناك آخر قد يملك من الألقاب ما يكفي لملء صفحات، لكنه يخرج من المجالس ولا يترك خلفه سوى شعورٍ ثقيل؛ لأن العلم بلا خلق قد يتحول إلى غرور، والمكانة بلا تواضع تصبح عبئًا على صاحبها قبل غيره.
إن أجمل ما يمكن أن يكتبه الإنسان في سيرته ليس عدد المناصب التي تقلدها، ولا عدد الجوائز التي حصل عليها، وإنما عدد القلوب التي لم يكسرها، وعدد النفوس التي أسعدها، وعدد المواقف التي كان فيها نزيهًا حين كان يستطيع أن يكون عكس ذلك.
الأخلاق تظهر أيضًا في الغياب.
فأن تحفظ غيبة إنسانٍ ائتمنك على سره، وأن تذكره بالخير حين لا يكون حاضرًا، وأن ترفض أن تشارك في حديثٍ ينتقص منه؛ تلك أخلاق لا تحتاج إلى شاهد، لكنها ترفع صاحبها في ميزان الإنسانية.
ومن أجمل الأخلاق أن تعرف متى تتحدث، ومتى تصمت، ومتى تعتذر، ومتى تتراجع خطوةً حفاظًا على علاقةٍ تستحق البقاء.
ليس العيب أن نخطئ؛ فالخطأ جزء من طبيعة البشر، لكن العيب أن نعرف خطأنا ونصرّ عليه، وأن نجرح ثم نبحث عن الأعذار بدل الاعتذار.
إن الاعتذار لا يُنقص من قيمة الإنسان، بل يكشف عن قوة داخله؛ لأن الاعتراف بالخطأ يحتاج إلى شجاعة أكبر من محاولة إخفائه.
وفي الحياة، ستتغير الأسماء والمواقع والظروف، وستسقط عن الإنسان ألقاب كثيرة حين يغادر منصبه، لكن اللقب الحقيقي الذي لا يسقط هو ما يقوله الناس عنه بعد أن يغادر المكان.
قد تنتهي الوظيفة، وينتهي المنصب، وتُطوى صفحة الإنجاز، لكن يبقى السؤال الأهم:
ماذا تركتَ في قلوب من عرفوك؟
هل كنتَ عابرًا أثقل أيامهم، أم إنسانًا جعل الطريق أكثر خفة؟
هل كنتَ ممن يطلبون الاحترام، أم ممن يمنحونه؟
هل كان حضورك راحةً أم اختبارًا؟
تلك الأسئلة هي التي ترسم السيرة الحقيقية للإنسان.
فلا تجعلوا أسماءكم كبيرةً في الأوراق، صغيرةً في الأخلاق.
ولا تجعلوا إنجازاتكم تتحدث عنكم بصوتٍ أعلى من إنسانيتكم.
كونوا أصحاب أثرٍ طيب؛ فمن الجميل أن يقال عن الإنسان: كان ناجحًا، لكن الأجمل أن يقال: كان نبيلًا، وكان إذا حضر أكرم، وإذا غاب حُفظ، وإذا اختلف احترم، وإذا قدر عفا.
وفي نهاية المطاف، قد لا نملك أن نختار كيف يتذكرنا الناس، لكننا نملك أن نختار كيف نعاملهم.
فاكتبوا سيرتكم كل يوم بأخلاقكم؛ فربما كانت أجمل صفحةٍ فيها هي تلك التي لا تحمل اسم منصب، ولا لقبًا، ولا شهادة… وإنما تحمل أثرًا طيبًا في قلب إنسان.
التعليقات