ما قيمتك في الصورة؟

بقلم / سلافة سمباوه
في زمنٍ تحوّلت فيه العلاقات إلى واجهات، وأصبح الحضور مقياسًا للانتماء أكثر من الصدق، يجد الإنسان الواعي نفسه أمام سؤال جوهري: هل قيمتي في أن أكون موجودًا في كل صورة وكل تجمّع؟ أم أن قيمتي الحقيقية تكمن في وعيي بحدود نفسي، وثباتي على مبادئي حتى لو كلّفني ذلك العزلة عن الجماعة؟
كثير من العلاقات اليوم تُبنى على الألفاظ لا على المواقف. يقول لك أحدهم: حبيبي، أحسن واحد في الدنيا، بينما لا رابط حقيقي يجمعكما، ولا موقف واحد يشهد على هذا الحب المُعلَن. هذه الظاهرة أحد أشكال الاستهلاك العاطفي؛ يُستهلك الإنسان الآخر كديكور في صورة، لا كإنسان له كيان ومشاعر حقيقية. نفسيًا، هذا النمط من العلاقات يُنتج ما يُعرف بالألفة الزائفة، حيث يظن الطرفان أنهما قريبان، بينما العلاقة سطحية، تُختبر فقط في لحظات الرخاء، وتتلاشى عند أول اختبار حقيقي، عند الشدة.
الرغبة في الانحشار ضمن الصورة الجميلة دافعٌ إنساني مفهوم، فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه يميل إلى الانتماء. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الميل إلى حاجة مَرضية للقبول، تجعل الفرد يتنازل عن قيمه ليتماشى مع الجماعة، ويُحرج نفسه لينزل إلى مستوى أشخاص لا تربطه بهم علاقة حقيقية، بل هم أصلًا لا يعرفونه ولا يعرفهم. ويشعر بالنبذ إن لم يُقبل، وكأن قيمته الذاتية مرهونة بموافقة الآخرين، أو يُشوَّه لأنه لم يستعرض مثلهم. والمفارقة أن هذه الصورة، رغم جمالها الظاهري، هشة وغير صادقة؛ لأن أصحابها أنفسهم وقت الشدة لن تجدهم. فالصورة الجميلة لا تصنع علاقة حقيقية، والحضور الجسدي لا يعني حضورًا وجدانيًا أو التزامًا أخلاقيًا.
نفسيًا، حين يتنازل الإنسان عن مبادئه من أجل الانتماء، فإنه يدفع أثمانًا خفية: يفقد هويته ويصبح نسخة مما يريده الآخرون منه لا تعبيرًا حقيقيًا عن ذاته، ويعيش قلقًا اجتماعيًا مزمنًا بسبب الخوف الدائم من الرفض، ويتآكل تقديره لذاته مع كل تنازل جديد، حتى يترسخ لديه أن قبول الآخرين أهم من رضا النفس.
وهنا يكمن جوهر الفكرة: قيمتك الحقيقية ليست في أن تكون هنا وهناك، بل في هيبتك التي تصنعها بثباتك على مبدئك. النجاح الحقيقي ليس أن تُرضي الجميع أو تكون حاضرًا في كل مناسبة، بل أن تُقدّم فكرًا يُضيف قيمة لا حضورًا يُستهلك، وأن تكون معروفًا بمواقفك لا بصورك، وأن يبحث عنك الناس لما تحمله من قيمة لا لأنك موجود دائمًا. أما من يبحث عن القبول عبر الذوبان في كل جماعة، والضحك مع كل طرف إرضاءً له، فهو يخسر نفسه وينحرق، لأنه استبدل جوهره بصورة لا تدوم.
اجتماعيًا، هذه الظاهرة انعكاس لبيئة تُكافئ الظهور أكثر مما تُكافئ الجوهر، تجعل عدد الصور وعدد الأصدقاء مقياسًا للقيمة، بينما جودة العلاقة لا علاقة لها بكثرتها. وأخلاقيًا، حين يتنازل الإنسان عن مبادئه إرضاءً لجماعة لا تُقدّره فعليًا، فهو يُشارك ولو بغير قصد في ترسيخ ثقافة الزيف الاجتماعي.
كثير من العلاقات اليوم تُبنى على الألفاظ لا على المواقف. يقول لك أحدهم: حبيبي، أحسن واحد في الدنيا، بينما لا رابط حقيقي يجمعكما، ولا موقف واحد يشهد على هذا الحب المُعلَن. هذه الظاهرة أحد أشكال الاستهلاك العاطفي؛ يُستهلك الإنسان الآخر كديكور في صورة، لا كإنسان له كيان ومشاعر حقيقية. نفسيًا، هذا النمط من العلاقات يُنتج ما يُعرف بالألفة الزائفة، حيث يظن الطرفان أنهما قريبان، بينما العلاقة سطحية، تُختبر فقط في لحظات الرخاء، وتتلاشى عند أول اختبار حقيقي، عند الشدة.
الرغبة في الانحشار ضمن الصورة الجميلة دافعٌ إنساني مفهوم، فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه يميل إلى الانتماء. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الميل إلى حاجة مَرضية للقبول، تجعل الفرد يتنازل عن قيمه ليتماشى مع الجماعة، ويُحرج نفسه لينزل إلى مستوى أشخاص لا تربطه بهم علاقة حقيقية، بل هم أصلًا لا يعرفونه ولا يعرفهم. ويشعر بالنبذ إن لم يُقبل، وكأن قيمته الذاتية مرهونة بموافقة الآخرين، أو يُشوَّه لأنه لم يستعرض مثلهم. والمفارقة أن هذه الصورة، رغم جمالها الظاهري، هشة وغير صادقة؛ لأن أصحابها أنفسهم وقت الشدة لن تجدهم. فالصورة الجميلة لا تصنع علاقة حقيقية، والحضور الجسدي لا يعني حضورًا وجدانيًا أو التزامًا أخلاقيًا.
نفسيًا، حين يتنازل الإنسان عن مبادئه من أجل الانتماء، فإنه يدفع أثمانًا خفية: يفقد هويته ويصبح نسخة مما يريده الآخرون منه لا تعبيرًا حقيقيًا عن ذاته، ويعيش قلقًا اجتماعيًا مزمنًا بسبب الخوف الدائم من الرفض، ويتآكل تقديره لذاته مع كل تنازل جديد، حتى يترسخ لديه أن قبول الآخرين أهم من رضا النفس.
وهنا يكمن جوهر الفكرة: قيمتك الحقيقية ليست في أن تكون هنا وهناك، بل في هيبتك التي تصنعها بثباتك على مبدئك. النجاح الحقيقي ليس أن تُرضي الجميع أو تكون حاضرًا في كل مناسبة، بل أن تُقدّم فكرًا يُضيف قيمة لا حضورًا يُستهلك، وأن تكون معروفًا بمواقفك لا بصورك، وأن يبحث عنك الناس لما تحمله من قيمة لا لأنك موجود دائمًا. أما من يبحث عن القبول عبر الذوبان في كل جماعة، والضحك مع كل طرف إرضاءً له، فهو يخسر نفسه وينحرق، لأنه استبدل جوهره بصورة لا تدوم.
اجتماعيًا، هذه الظاهرة انعكاس لبيئة تُكافئ الظهور أكثر مما تُكافئ الجوهر، تجعل عدد الصور وعدد الأصدقاء مقياسًا للقيمة، بينما جودة العلاقة لا علاقة لها بكثرتها. وأخلاقيًا، حين يتنازل الإنسان عن مبادئه إرضاءً لجماعة لا تُقدّره فعليًا، فهو يُشارك ولو بغير قصد في ترسيخ ثقافة الزيف الاجتماعي.