حين يسكن المكان في الذاكرة

بقلم / عبادل الشمراني
كأنَّ العمر سقط منه نصفه، وطُمست أواخر صفحات الذاكرة، فلم يبقَ منها إلا ماضٍ بعيد. أرى نفسي في القرية طفلًا يركض بين الأودية، ويقفز من ظل شجرة إلى أخرى، يقطف من هذه مرة، ومن تلك مرة أخرى؛ لا ليملأ معدته، بل ليُشبع فضوله وشغفه بالحياة. تتعالى من بعيد نداءات الجد، ممزوجة بالخوف والحرص، لا بالشتم والزجر، لكنها لم تكن تزيدني إلا تعلقًا باللعب، وإصرارًا على اكتشاف ذلك العالم الصغير الذي كنت أراه أكبر من الدنيا.
عجيبٌ أمر الذاكرة؛ فهي لا تحفظ كل ما عشناه، بل تختار ما يستحق البقاء. تمضي الأعوام، وتذبل أسماء كثيرة، وتتلاشى وجوه مرَّت بنا، لكن صوت الجد يبقى، ورائحة التراب بعد المطر تبقى، وظل الشجرة التي احتمينا بها في قيظ الصيف يبقى. وكأن القلب عقد مع تلك التفاصيل عهدًا ألا يغادرها مهما تقدمت به السنون.
ولعل أجمل ما في الطفولة أنها لم تكن تعرف قيمة ما تملك. كنا نظن أن الأودية ستظل تجري، وأن الأشجار ستبقى في أماكنها، وأن البيوت ستفتح أبوابها كل صباح كما اعتدنا، وأن الأحبة لن يغيبوا. لم نكن ندرك أن الأيام تمضي بخفة، وأن ما نعيشه اليوم سيصبح غدًا أمنية نستعيدها في الخيال.
ثم نكبر، فنكتشف أن الحنين ليس إلى المكان وحده، بل إلى الإنسان الذي كنا عليه في ذلك المكان. نشتاق إلى قلوبٍ لم تعرف التعقيد، وإلى فرحة كانت تُصنع من حجرٍ صغير، أو غصن شجرة، أو طريق ترابي لا يعرفه إلا أهل القرية. نشتاق إلى أنفسنا قبل أن تثقلها مسؤوليات الحياة، وقبل أن تُرهقها كثرة الحسابات.
ولذلك، فإن الأماكن لا تموت حين نهجرها، وإنما تموت حين نعجز عن تذكر ما صنعت في أرواحنا. فكم من مدينة عظيمة لم تترك فينا أثرًا، وكم من قرية صغيرة لا تزال تسكن القلب بكل تفاصيلها. ليست قيمة المكان في سعته، وإنما فيما يودعه في النفس من طمأنينة، وفيما يغرسه في الذاكرة من صور لا يطويها الزمن.
ويبقى السؤال الذي يطرحه الحنين كلما عدنا إلى ذكرياتنا الأولى: هل نحن حقًا نشتاق إلى القرية، أم نشتاق إلى الطفل الذي تركناه هناك، يركض بين الأودية، ويقطف من الأشجار، ويظن أن الزمن لا يمضي أبدًا؟
كأنَّ العمر سقط منه نصفه، وطُمست أواخر صفحات الذاكرة، فلم يبقَ منها إلا ماضٍ بعيد. أرى نفسي في القرية طفلًا يركض بين الأودية، ويقفز من ظل شجرة إلى أخرى، يقطف من هذه مرة، ومن تلك مرة أخرى؛ لا ليملأ معدته، بل ليُشبع فضوله وشغفه بالحياة. تتعالى من بعيد نداءات الجد، ممزوجة بالخوف والحرص، لا بالشتم والزجر، لكنها لم تكن تزيدني إلا تعلقًا باللعب، وإصرارًا على اكتشاف ذلك العالم الصغير الذي كنت أراه أكبر من الدنيا.
عجيبٌ أمر الذاكرة؛ فهي لا تحفظ كل ما عشناه، بل تختار ما يستحق البقاء. تمضي الأعوام، وتذبل أسماء كثيرة، وتتلاشى وجوه مرَّت بنا، لكن صوت الجد يبقى، ورائحة التراب بعد المطر تبقى، وظل الشجرة التي احتمينا بها في قيظ الصيف يبقى. وكأن القلب عقد مع تلك التفاصيل عهدًا ألا يغادرها مهما تقدمت به السنون.
ولعل أجمل ما في الطفولة أنها لم تكن تعرف قيمة ما تملك. كنا نظن أن الأودية ستظل تجري، وأن الأشجار ستبقى في أماكنها، وأن البيوت ستفتح أبوابها كل صباح كما اعتدنا، وأن الأحبة لن يغيبوا. لم نكن ندرك أن الأيام تمضي بخفة، وأن ما نعيشه اليوم سيصبح غدًا أمنية نستعيدها في الخيال.
ثم نكبر، فنكتشف أن الحنين ليس إلى المكان وحده، بل إلى الإنسان الذي كنا عليه في ذلك المكان. نشتاق إلى قلوبٍ لم تعرف التعقيد، وإلى فرحة كانت تُصنع من حجرٍ صغير، أو غصن شجرة، أو طريق ترابي لا يعرفه إلا أهل القرية. نشتاق إلى أنفسنا قبل أن تثقلها مسؤوليات الحياة، وقبل أن تُرهقها كثرة الحسابات.
ولذلك، فإن الأماكن لا تموت حين نهجرها، وإنما تموت حين نعجز عن تذكر ما صنعت في أرواحنا. فكم من مدينة عظيمة لم تترك فينا أثرًا، وكم من قرية صغيرة لا تزال تسكن القلب بكل تفاصيلها. ليست قيمة المكان في سعته، وإنما فيما يودعه في النفس من طمأنينة، وفيما يغرسه في الذاكرة من صور لا يطويها الزمن.
ويبقى السؤال الذي يطرحه الحنين كلما عدنا إلى ذكرياتنا الأولى: هل نحن حقًا نشتاق إلى القرية، أم نشتاق إلى الطفل الذي تركناه هناك، يركض بين الأودية، ويقطف من الأشجار، ويظن أن الزمن لا يمضي أبدًا؟