×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

ما الذي نتعلّق به؟

ما الذي نتعلّق به؟
بقلم / كوثر العوفي 
من أكثر الأوهام رسوخًا أن الإنسان يتعلّق بالأشخاص، بينما الحقيقة أكثر خفاءً وتعقيدًا. فنحن في الغالب لا نتعلّق بوجوهٍ بعينها، بل بالشعور الذي أيقظوه في داخلنا؛ بالأمان الذي منحوه، والاهتمام الذي أغدقوه، والطمأنينة التي جعلتنا نعتقد أن العالم، ولو مؤقتًا، صار أقل قسوة.

لهذا لا يكون الفقد مؤلمًا لأن شخصًا غادر، بل لأن شعورًا كاملًا انسحب من حياتنا. وما نظنه حنينًا إلى إنسان، يكون في كثير من الأحيان حنينًا إلى أنفسنا كما كنا معه؛ إلى تلك النسخة التي كانت أكثر خفة، وأكثر اطمئنانًا، وأكثر قدرة على الابتسام.

قال ليو تولستوي: كل من يعرف كيف يحب، يعرف كيف يتألّم. ولعل الألم هنا لا يولد من الغياب وحده، بل من الفراغ الذي يتركه الشعور بعد انطفائه.

ومن هنا يبدأ الخلط الذي يقع فيه كثيرون. يظنون أن التخطي يحتاج إلى مرور الوقت، بينما الوقت لا يداوي قلبًا ما زال واقفًا عند الباب نفسه. فالإنسان لا يبقى أسير الماضي لأن أحدًا رحل، بل لأنه لا يزال ينتظر. ينتظر رسالة لن تصل، أو اعتذارًا تأخر حتى فقد قيمته، أو تفسيرًا يرمم ما انكسر، أو فرصة أخرى يعيد بها كتابة النهاية.

الحقيقة أن التخطي لا يبدأ لحظة الرحيل، بل يبدأ لحظة انتهاء الانتظار. حين يتصالح الإنسان مع فكرة أن بعض الأسئلة لن تجد جوابًا، وأن بعض النهايات لن يسبقها تفسير، وأن الحياة لا تتوقف لأن أحدًا اختار طريقًا آخر.

وتقول برينيه براون: لا يمكن أن ننمو إذا بقينا متمسكين بما لم يعد موجودًا. وهي عبارة تختصر واحدة من أصعب الحقائق؛ فالتعلق لا يسجن القلب فحسب، بل يؤجل الحياة بأكملها.

وربما لهذا السبب يخلط كثيرون بين الوفاء والتعلق. يظنون أن التعافي خيانة، وأن الضحكة بعد الفقد نسيان، وأن المضي قدمًا يعني التقليل من قيمة ما كان. بينما الوفاء الحقيقي لا يعني الإقامة الدائمة في الماضي، بل الاعتراف بجماله، ثم امتلاك الشجاعة لتركه في مكانه دون أن يمتد ظله إلى كل ما تبقى من العمر.

ليست كل العلاقات خُلقت لتدوم، وبعض الأشخاص لم يأتوا ليكونوا فصلًا أخيرًا في حياتنا، بل درسًا يغيّر طريقة قراءتنا للحياة. وما إن نفهم ذلك، حتى ندرك أن التخطي ليس معركة مع الذكريات، وإنما مصالحة مع الذات.

في النهاية، لا يقاس التعافي بعدد الأيام التي مضت، بل بعدد المرات التي اخترنا فيها الحياة بدل الانتظار، والسلام بدل الاحتمالات، وأنفسنا بدل التعلق. وعندها فقط نكتشف أن أصعب ما في الرحيل لم يكن فقدان شخص، بل استعادة الإنسان لنفسه بعد أن ظل يبحث عنها طويلًا في الآخرين.
التعليقات