×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

قل لي ماذا تبحث عنه في السفر… أقل لك من أنت

قل لي ماذا تبحث عنه في السفر… أقل لك من أنت
بقلم / كوثر العوفي 
لا تكشف الرحلات المدن بقدر ما تكشف المسافرين.

ففي المدينة نفسها، وعلى الأرصفة ذاتها، يسير آلاف الزوار، لكن كل واحد منهم يعود بحكاية مختلفة. أحدهم يتذكر المطاعم، وآخر يحفظ أسماء الأسواق، وثالث لا يتحدث إلا عن المتاحف، بينما يقضي غيرهم ساعات رحلته بين رفوف مكتبة، وكأنه جاء إليها خصيصًا.

ليست المسألة اختلافًا في الأذواق فحسب، بل اختلافًا في ما يشغل الإنسان من الداخل. فالسفر، على عكس ما نظن، لا يغيّر اهتماماتنا، بل يكشفها. إنه يعرّي أولوياتنا، ويجعلها أكثر وضوحًا. فما نبحث عنه في المدن البعيدة هو غالبًا ما نفتقده، أو ما نحبه، أو ما يمنحنا شعورًا بالانتماء.

في زيارتي إلى قطر، لم تكن الأبراج الحديثة ولا الواجهات المعمارية أول ما استوقفني، رغم جمالها، بل كانت المكتبات. كانت حاضرة بوصفها جزءًا من الحياة اليومية، لا مجرد مكان لبيع الكتب. مساحات هادئة، وتصميم يليق بالمعرفة، ورسالة تقول إن الكتاب ما زال يحتفظ بمكانه في قلب المدينة، حتى في زمن تزدحم فيه الشاشات بكل شيء.

عندها أدركت أن الإنسان لا يزور الأماكن بعينيه فقط، بل بما يحمله في داخله. فالقارئ يبحث عن مكتبة حتى لو لم تكن ضمن البرنامج السياحي، والموسيقي يلتقط أصوات الشوارع، والمصور يرى التفاصيل التي يعبرها الآخرون دون انتباه، أما عاشق التاريخ فيقرأ الماضي في حجارة المباني القديمة. كل واحد يحمل بوصلته الخاصة، وهي التي ترسم رحلته الحقيقية.

لهذا تبدو المدن مختلفة من شخص إلى آخر، رغم أنها المدينة نفسها. ليست لأن معالمها تتغير، بل لأننا ننظر إليها من نوافذ مختلفة. فالمدينة لا تمنح الجميع الصورة ذاتها، وإنما تعكس لكل زائر ما جاء مستعدًا لرؤيته.

ولعل الخطأ الذي يقع فيه كثير من المسافرين أنهم يقيسون نجاح الرحلة بعدد المعالم التي زاروها، لا بعمق الأثر الذي تركته فيهم. يتعاملون مع السفر وكأنه قائمة يجب إنجازها، وصور يجب التقاطها، بينما أجمل الرحلات هي تلك التي تمنح الإنسان فكرة جديدة، أو كتابًا لم يكن يبحث عنه، أو لحظة صمت في مكان لم يكن يعرفه من قبل.

فالمدن لا تُختصر في خرائطها، ولا في أشهر معالمها، بل في التفاصيل التي تختارها أنت. وما يبقى من الرحلات ليس عدد الأميال التي قطعناها، بل الأشياء التي وجدناها في الطريق، وربما وجدنا معها شيئًا من أنفسنا.

لذلك، إذا أردت أن تعرف الإنسان، فلا تسأله إلى أي بلد سافر، بل اسأله: ماذا كنت تبحث عنه هناك؟ فالإجابة غالبًا لن تصف المدينة… بل ستصفه هو.
التعليقات