×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

بين حلم الجامعة وضغط المجتمع

بين حلم الجامعة وضغط المجتمع
بقلم / كوثر العوفي 
في كل صيف، لا تُعلن نتائج القبول الجامعي فقط، بل تُعلن معها حالة من التوتر الجماعي يعيشها آلاف الطلاب وأسرهم. فبين لحظة تحديث صفحة القبول، ورسالة قد تحمل خبرًا سعيدًا أو انتظارًا جديدًا، تتغير ملامح أيام كاملة. بيوت يعلو فيها الفرح، وأخرى يخيم عليها الصمت، وشباب يواجهون للمرة الأولى شعورًا ثقيلًا بأن المستقبل قد يُختصر في نتيجة واحدة.

لكن الحقيقة أن أكثر ما يرهق الطالب في هذه المرحلة ليس المنافسة على مقعد جامعي، بل المنافسة على نظرة المجتمع إليه.

لقد تحولت الجامعة، مع مرور الوقت، من مؤسسة للتعليم إلى رمز اجتماعي بالغ الحساسية. لم يعد السؤال عن القبول سؤالًا أكاديميًا بقدر ما أصبح سؤالًا عن المكانة، وعن الصورة، وعن مقدار النجاح الذي يراه الآخرون. وأصبح اسم الجامعة أو التخصص يحمل في بعض البيئات وزنًا يفوق قيمته الحقيقية، حتى بدا وكأنه شهادة على قيمة الإنسان، لا مجرد بداية لمسيرته العلمية.

وهنا تبدأ المشكلة.

ففي موسم القبول، لا يعيش الطالب ضغط المفاضلات الجامعية وحدها، بل يواجه ضغوطًا اجتماعية متراكمة. أسئلة الأقارب، ومقارنات الأصدقاء، وتوقعات الأسرة، ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، جميعها تتحول إلى أصوات متداخلة تضع الشاب أمام اختبار نفسي لا يقل صعوبة عن الاختبار الأكاديمي نفسه. وكلما تأخر اسمه في قوائم القبول، ازداد شعوره بأنه يتأخر عن أقرانه، رغم أن الحياة لم تكن يومًا سباقًا ينطلق فيه الجميع من الخط نفسه.

ولعل أكثر ما يدعو للتأمل أن كثيرًا من هذا الضغط لا تصنعه الجامعات، بل نصنعه نحن. حين نربط النجاح باسم مؤسسة، أو نختزل المستقبل في تخصص، أو نمنح بعض المسارات التعليمية قيمة اجتماعية أعلى من غيرها، فإننا نزرع في نفوس الشباب اعتقادًا خطيرًا بأن الفرصة الواحدة هي الفرصة الأخيرة، وأن الباب الذي لم يُفتح اليوم لن يُفتح أبدًا.

هذه الفكرة هي التي تستحق المراجعة.

فالجامعة تفتح أبوابًا كثيرة، لكنها ليست الباب الوحيد. والنجاح لم يعد يسير وفق مسار واحد كما كان قبل عقود. عالم اليوم يعيد تشكيل المهن باستمرار، ويمنح الفرص لمن يمتلك المهارة والقدرة على التعلم والتطور، أكثر مما يمنحها لاسم الجامعة وحده. لذلك فإن اختزال المستقبل في رسالة قبول، أو في مقعد محدود، لا يعكس واقع الحياة بقدر ما يعكس نظرتنا الضيقة إليها.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الجامعة، فهي ما زالت إحدى أهم المؤسسات التي تصنع المعرفة وتؤهل الكفاءات، لكنها ليست الجهة التي تمنح الإنسان قيمته، ولا الجهة التي تكتب مستقبله بالكامل. فالتاريخ المهني والإنساني مليء بأشخاص بدأت طرقهم من أماكن لم يخططوا لها، ثم انتهوا إلى نجاحات لم يكونوا يتوقعونها.

وربما آن الأوان أن يتغير السؤال الذي نطرحه كل عام. بدلًا من أن نسأل أبناءنا أين قُبلتم، علينا أن نسألهم ماذا ستفعلون بالفرصة التي أمامكم؟ لأن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين مجتمع يحتفل بالنتائج، ومجتمع يصنع المستقبل.

فالجامعة محطة مهمة، لكنها ليست الحكم الأخير. أما الإنسان، فلا تختصره رسالة قبول، ولا تحدده قائمة أسماء، ولا تقيس طموحه بوابة واحدة مهما كانت أهميتها.
التعليقات