×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

الحفرة التي تبدأ بخطوة

الحفرة التي تبدأ بخطوة
بقلم / عبادل الشمراني 

في العقد الأول من عمري، كانت جدتي تكرر على مسامعي وصيةً واحدة، حتى ظننت أنها تبالغ في ترديدها: إياك أن تأخذ من أحدٍ شيئًا كانت تقولها كلما خرجت للعب وكلما طلبت السهر مع الأصدقاء أو المذاكرة في منزل أحدهم لم أكن أفهم سر هذا الخوف، وكنت أراه تشددًا لا مبرر له.

وذات ليلة، سألتها لماذا كل هذا القلق؟ فأجابت بكلماتٍ لا تزال ترن في ذاكرتي ليس كل من يبتسم لك يريد الخير، وبعض الناس لا يهنأ لهم حال حتى يروا غيرهم في الحفرة التي سقطوا فيها.

كبرت، وأدركت أن وصيتها لم تكن تتحدث عن الطعام أو الشراب فحسب، بل كانت تحذرني من كل ما قد يُقدَّم في ثوب النصيحة أو التجربة أو المجاملة فكم من شاب بدأت قصته مع المخدرات بكلمة “جرّب مرة واحدة فقط.” وكم من آخر أقنعه صديق بأن حبةً صغيرة ستزيد تركيزه في المذاكرة، أو تمنحه طاقةً أكبر في العمل، أو تزيل عنه القلق، أو حتى تجعله أكثر رجولة.

وهكذا تبدأ الحكاية ليست بإدمان، بل بثقةٍ في الشخص الخطأ. حبةٌ تُؤخذ بدافع الفضول، ثم تُطلب بدافع الحاجة، ثم يتحول الإنسان إلى أسيرٍ لها، بعدما كان سيدًا على نفسه فيفقد تدريجيًا قدرته على الفرح الطبيعي، وعلى الإنجاز الطبيعي، وعلى النوم الطبيعي، حتى تصبح حياته مرهونة بما يتعاطاه، لا بما يملكه من إرادة.

إن المخدرات لا تسرق الصحة وحدها، بل تسرق الأحلام، وتُضعف الإرادة، وتُفسد العلاقات، وتحوّل الإنسان من مشروع نجاح إلى قصةٍ تُروى للعبرة. وما يزيد خطرها أنها كثيرًا ما تدخل من باب الصداقة، ومن شخصٍ يزعم المحبة وهو في الحقيقة يقود غيره إلى الطريق الذي هلك فيه.

وفي اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، لا نحتاج إلى التذكير بخطورة السموم بقدر ما نحتاج إلى التذكير بأهمية الرفقة الصالحة. فالصديق الحقيقي لا يدفعك إلى تجربةٍ قد تهدم مستقبلك، ولا يزين لك ما يفسد عقلك وجسدك، بل يحميك من الزلل، ويأخذ بيدك إلى ما ينفعك.

ولعل أعظم وسائل الوقاية ليست في العقوبات ولا في حملات التوعية وحدها، بل في كلمةٍ صادقة يسمعها الابن من والديه، وفي بيتٍ يغرس الثقة، وفي صديقٍ يخاف عليك أكثر مما يخاف على نفسه. فكم من حياةٍ نجت لأن صاحبها قال: لا في اللحظة التي كان الجميع يقولون فيها: جرّب.
التعليقات