×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

التعفن الدماغي.. هل نحن أمام أزمة تركيز حقيقية؟

التعفن الدماغي.. هل نحن أمام أزمة تركيز حقيقية؟
بقلم / كوثر العوفي 

في مكانٍ ما، يجلس شاب محاولًا قراءة كتاب اشتراه بحماس قبل أيام. يقرأ صفحة، ثم تمتد يده إلى الهاتف. يعود إلى الكتاب، فتقاطعه إشعارات جديدة. وبعد دقائق قليلة يُغلق الكتاب ويضيع المساء بين مقاطع قصيرة لا يتذكر معظمها بعد ساعة واحدة
هذا المشهد لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية لكثير من الناس.

خلال الفترة الأخيرة، انتشر مصطلح “التعفن الدماغي” انتشارًا واسعًا، حتى بات يتردد في النقاشات اليومية وعلى منصات التواصل كلما ذُكر ضعف التركيز أو الإدمان على المحتوى السريع. ورغم أن المصطلح ليس علميًا ولا طبيًا، فإنه نجح في التقاط شعورٍ يتسلل إلى كثيرين؛ شعور بأن علاقتنا بالانتباه لم تعد كما كانت
فالأمر لا يتعلق بتراجع الذكاء، ولا بانخفاض القدرة على الفهم، بل بتحولٍ هادئ أصاب عاداتنا اليومية. لقد أصبح العالم أسرع من أي وقت مضى، وأصبحت الشاشات تمطرنا بالمحتوى بلا انقطاع مقاطع قصيرة، وعناوين خاطفة، وصور تتدفق كالسيل، حتى غدا الوقوف عند فكرة واحدة أشبه بمحاولة الإمساك بقطرة ماء في مجرى متسارع.

في هذا المشهد، لم يعد الانتباه مجرد قدرة ذهنية، بل أصبح ساحة تنافس ضخمة فالتطبيقات والمنصات لا تتنافس على المحتوى فحسب، بل تتنافس على أعيننا وأوقاتنا. وكلما نجح محتوى ما في خطف انتباهنا لثوانٍ إضافية، ازداد حضوره وانتشاره.

ومع مرور الوقت، بدأت أذهاننا تألف هذا الإيقاع السريع. لم نعد ننتظر، ولم نعد نصبر كما كنا من قبل. أصبح كل شيء مطالبًا بأن يلفت انتباهنا فورًا، وأن يقدم خلاصته بسرعة، وأن يكافئنا في اللحظة نفسها. أما الأشياء التي تحتاج إلى وقت كي تُفهم أو تُقدَّر، فقد أصبحت تخسر المعركة شيئًا فشيئًا

وهنا تكمن القضية الحقيقية

فالخسارة ليست في ترك كتاب دون إكماله، أو في قضاء ساعات أمام الهاتف، بل في تآكل قدرتنا على التعمق. فالمعرفة لا تُبنى من ومضات متفرقة، والأفكار الكبيرة لا تُختزل دائمًا في دقيقة واحدة، والقراءة ليست مجرد جمع للمعلومات، بل تدريب مستمر على الصبر والتأمل والإنصات.

قد يكون مصطلح “التعفن الدماغي” قاسيًا ومبالغًا فيه، لكنه نجح في لفت الانتباه إلى ظاهرة تستحق التأمل. فنحن لا نعيش أزمة عقول، بل نعيش زمنًا تتعرض فيه عقولنا لوابلٍ متواصل من المشتتات، حتى أصبح التركيز العميق مهارة نادرة في عصر السرعة.

ربما لهذا السبب، لم يعد السؤال المطروح اليوم هو كم نعرف، بل كم نستطيع أن نبقى مع ما نعرفه. ففي عالمٍ يركض بلا توقف، تبدو القدرة على التركيز كجزيرة هادئة وسط بحرٍ من الضجيج.
التعليقات