لماذا يخجل البعض من الاعتراف بقراءة الروايات؟

بقلم / كوثر العوفي
في كل معرض كتاب تقريبًا، وفي كثير من المجالس الثقافية، يتكرر المشهد نفسه. يتحدث شخص بحماس عن كتاب في الإدارة أو الاستثمار أو تطوير الذات، فيحظى بإعجاب الحاضرين واهتمامهم. لكن عندما يذكر أنه أمضى الأسبوع الماضي في قراءة رواية، تتغير نبرة الحديث فجأة، ويأتي السؤال المعتاد ماذا استفدت منها؟
قد تبدو العبارة بسيطة وعفوية، لكنها تكشف عن نظرة راسخة في مجتمعنا تجاه الرواية وقرّائها. فهناك اعتقاد غير معلن بأن بعض أنواع القراءة أكثر قيمة واحترامًا من غيرها، وأن الرواية تقع في مرتبة أدنى لأنها لا تقدم نصائح مباشرة أو معلومات يمكن تلخيصها في نقاط سريعة
ولهذا السبب، أصبح بعض القرّاء يترددون في الحديث عن الروايات التي يقرؤونها. لا لأنهم غير مقتنعين بها، بل لأنهم اعتادوا على تبرير هذا النوع من القراءة أمام الآخرين. وكأن القارئ مطالب دائمًا بإثبات أن الوقت الذي قضاه مع رواية لم يكن وقتًا ضائعًا
المشكلة أن كثيرًا منا أصبح ينظر إلى القراءة بوصفها أداة إنتاج فقط. نقرأ لنكسب مهارة، أو لنطور عملًا، أو لنحقق هدفًا معينًا. وهي أهداف مهمة بلا شك، لكن الإنسان أكبر من أن تُختصر حاجاته كلها في الإنتاج والإنجاز.
فالإنسان قد لا يحتاج إلى المعرفة فقط، بل يحتاج إلى الفهم. يحتاج إلى أن يفهم نفسه والآخرين، وأن يرى العالم من زوايا مختلفة، وأن يختبر مشاعر وتجارب ربما لن يعيشها بنفسه أبدًا. وهنا تأتي الرواية
الرواية ليست كتابًا يعلمك كيف تنجح في خمس خطوات، ولا كيف تصبح أكثر إنتاجية خلال أسبوع. لكنها تمنحك شيئًا يصعب قياسه بالأرقام؛ تمنحك القدرة على رؤية الإنسان من الداخل
حين نقرأ أعمال فيودور دوستويفسكي، فإننا لا نتابع أحداثًا فقط، بل نواجه أسئلة معقدة عن الخير والشر والعدالة والضمير. وحين نقرأ ليو تولستوي، فإننا نرى الحياة بكل تناقضاتها وأحلامها وانكساراتها. أما نجيب محفوظ، فقد جعل من أزقة القاهرة وحاراتها حكاية إنسانية يفهمها القارئ أينما كان في العالم. هذه الأعمال لم تبقَ حيّة لعقود طويلة لأنها مسلية فقط، بل لأنها استطاعت أن تلامس جوهر الإنسان.
والمفارقة أن كثيرًا من الأفكار التي تشكل وعينا اليوم جاءت من الأدب أكثر مما جاءت من الكتب المباشرة. فالروايات علمتنا التعاطف قبل أن نعرف هذا المصطلح، وجعلتنا نفهم الاختلاف قبل أن نقرأ عنه، وعرّفتنا على تعقيدات النفس البشرية قبل أن ندرسها
لكننا نعيش اليوم في عصر السرعة. عصر يريد كل شيء مختصرًا وفوريًا. نريد المعرفة في دقيقة، والخبرة في مقطع قصير، والخلاصة في عدة أسطر. وفي ظل هذه الثقافة، أصبحت الرواية تبدو للبعض رفاهية لا ضرورة لها، لأنها لا تقدم نتائج فورية يمكن استعراضها أمام الآخرين
وربما لهذا السبب تحديدًا يخجل بعض الناس من الاعتراف بقراءة الروايات. ليس لأن الرواية أقل قيمة، بل لأننا أصبحنا نبالغ في تقدير كل ما يمكن قياسه، ونقلل من قيمة كل ما يترك أثره في الداخل.
لا أحد يستطيع أن يحسب بالأرقام كم زادت رواية جيدة من تعاطف قارئها مع الآخرين، أو كيف غيّرت نظرته إلى الحياة، أو كيف ساعدته على فهم نفسه بصورة أعمق. ومع ذلك، فإن هذه الآثار قد تكون أهم من كثير من المعارف العابرة التي نحفظها ثم ننساها
في النهاية، لم تُبنَ الحضارات على الأرقام وحدها، بل على القصص أيضًا. فالإنسان كائن يعيش بالحكايات بقدر ما يعيش بالحقائق. ولهذا ستظل الرواية واحدة من أكثر أشكال المعرفة إنسانية، مهما حاول البعض اختزالها في مجرد وسيلة للترفيه
وربما حان الوقت لأن نتوقف عن سؤال قارئ الرواية: “ماذا استفدت؟ وأن نسأله بدلًا من ذلك “إلى أي عالم أخذتك هذه المرة؟
قد تبدو العبارة بسيطة وعفوية، لكنها تكشف عن نظرة راسخة في مجتمعنا تجاه الرواية وقرّائها. فهناك اعتقاد غير معلن بأن بعض أنواع القراءة أكثر قيمة واحترامًا من غيرها، وأن الرواية تقع في مرتبة أدنى لأنها لا تقدم نصائح مباشرة أو معلومات يمكن تلخيصها في نقاط سريعة
ولهذا السبب، أصبح بعض القرّاء يترددون في الحديث عن الروايات التي يقرؤونها. لا لأنهم غير مقتنعين بها، بل لأنهم اعتادوا على تبرير هذا النوع من القراءة أمام الآخرين. وكأن القارئ مطالب دائمًا بإثبات أن الوقت الذي قضاه مع رواية لم يكن وقتًا ضائعًا
المشكلة أن كثيرًا منا أصبح ينظر إلى القراءة بوصفها أداة إنتاج فقط. نقرأ لنكسب مهارة، أو لنطور عملًا، أو لنحقق هدفًا معينًا. وهي أهداف مهمة بلا شك، لكن الإنسان أكبر من أن تُختصر حاجاته كلها في الإنتاج والإنجاز.
فالإنسان قد لا يحتاج إلى المعرفة فقط، بل يحتاج إلى الفهم. يحتاج إلى أن يفهم نفسه والآخرين، وأن يرى العالم من زوايا مختلفة، وأن يختبر مشاعر وتجارب ربما لن يعيشها بنفسه أبدًا. وهنا تأتي الرواية
الرواية ليست كتابًا يعلمك كيف تنجح في خمس خطوات، ولا كيف تصبح أكثر إنتاجية خلال أسبوع. لكنها تمنحك شيئًا يصعب قياسه بالأرقام؛ تمنحك القدرة على رؤية الإنسان من الداخل
حين نقرأ أعمال فيودور دوستويفسكي، فإننا لا نتابع أحداثًا فقط، بل نواجه أسئلة معقدة عن الخير والشر والعدالة والضمير. وحين نقرأ ليو تولستوي، فإننا نرى الحياة بكل تناقضاتها وأحلامها وانكساراتها. أما نجيب محفوظ، فقد جعل من أزقة القاهرة وحاراتها حكاية إنسانية يفهمها القارئ أينما كان في العالم. هذه الأعمال لم تبقَ حيّة لعقود طويلة لأنها مسلية فقط، بل لأنها استطاعت أن تلامس جوهر الإنسان.
والمفارقة أن كثيرًا من الأفكار التي تشكل وعينا اليوم جاءت من الأدب أكثر مما جاءت من الكتب المباشرة. فالروايات علمتنا التعاطف قبل أن نعرف هذا المصطلح، وجعلتنا نفهم الاختلاف قبل أن نقرأ عنه، وعرّفتنا على تعقيدات النفس البشرية قبل أن ندرسها
لكننا نعيش اليوم في عصر السرعة. عصر يريد كل شيء مختصرًا وفوريًا. نريد المعرفة في دقيقة، والخبرة في مقطع قصير، والخلاصة في عدة أسطر. وفي ظل هذه الثقافة، أصبحت الرواية تبدو للبعض رفاهية لا ضرورة لها، لأنها لا تقدم نتائج فورية يمكن استعراضها أمام الآخرين
وربما لهذا السبب تحديدًا يخجل بعض الناس من الاعتراف بقراءة الروايات. ليس لأن الرواية أقل قيمة، بل لأننا أصبحنا نبالغ في تقدير كل ما يمكن قياسه، ونقلل من قيمة كل ما يترك أثره في الداخل.
لا أحد يستطيع أن يحسب بالأرقام كم زادت رواية جيدة من تعاطف قارئها مع الآخرين، أو كيف غيّرت نظرته إلى الحياة، أو كيف ساعدته على فهم نفسه بصورة أعمق. ومع ذلك، فإن هذه الآثار قد تكون أهم من كثير من المعارف العابرة التي نحفظها ثم ننساها
في النهاية، لم تُبنَ الحضارات على الأرقام وحدها، بل على القصص أيضًا. فالإنسان كائن يعيش بالحكايات بقدر ما يعيش بالحقائق. ولهذا ستظل الرواية واحدة من أكثر أشكال المعرفة إنسانية، مهما حاول البعض اختزالها في مجرد وسيلة للترفيه
وربما حان الوقت لأن نتوقف عن سؤال قارئ الرواية: “ماذا استفدت؟ وأن نسأله بدلًا من ذلك “إلى أي عالم أخذتك هذه المرة؟