×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

بوح الوجدان

بوح الوجدان
بقلم/ حسين أحمد الألمعي 
عند سدول أجنحة الخيال، وعندما يلقي الليل بعباءته السوداء على هامات الجبال، وتخفت كل الأصوات إلا من همسات النسيم العابر، وهو يعزف ألحانه الحزينة بين أوراق الشجر والأغصان، يجلس الإنسان وحيداً أمام مرآة الزمن، يتأمل صفحات عمره التي انطوت، ويقلب أوراق أيامه التي مضت كأنها طيور مهاجرة لا تعود.

هنالك يدرك أن الحياة لم تكن يوماً طريقاً مفروشاً بالورود، ولا حقلاً دائماً للربيع، بل كانت فصولاً متعاقبة كفصول السنة؛ شتاءً يعلم الصبر، وصيفاً يختبر التحمل، وخريفاً يذكرنا بالفناء، وربيعاً يبث الأمل في النفوس من جديد.

ما أعجب الزمن! يمر فينا ونحن نظنه ينتظرنا، ويأخذ من أعمارنا ونحن نحسب أننا ما زلنا في بدايات الطريق. بالأمس كانت الأحلام تركض أمامنا كصيد البراري، واليوم نقف نتأمل آثار أقدامها وقد ابتعدت في الأفق البعيد. وجوه عرفناها غابت، وأصوات ألفناها صمتت إلى الأبد، ومجالس كانت تضج بالحياة أصبحت ذكريات معلقة على جدران القلب.

ومع ذلك، فإن جمال الحياة لا يكمن في دوامها، بل في زوالها؛ فلولا الرحيل ما عرفنا قيمة وحلاوة اللقاء، ولولا الحزن ما أدركنا معنى الفرح، ولولا العثرات ما تعلمنا كيف نقف بثبات.

إن الأيام التي أوجعتنا كثيراً كانت، في الغالب، أعظم المعلمين، وإن الليالي التي أثقلت صدورنا بالهموم هي ذاتها التي صقلت أرواحنا، ومنحتها الحكمة والنضج.

إن الإنسان القوي ليس من لم يذق مرارة الأيام، بل من شرب من كأسها ثم نهض مبتسماً، ومن عرف قسوة الطريق ثم واصل السير دون أن يفقد نقاء قلبه أو جمال روحه. فالزمن قد يسرق من وجوهنا نضارة الشباب، لكنه يمنح العقول نور التجربة، ويمنح الأرواح سكينة الفهم وعمق البصيرة.

وحين ننظر إلى الحياة بعين الرضا، نجد أن كل منعطف مررنا به كان يحمل رسالة، وكل خسارة كانت تخفي خلفها عطاءً آخر، وكل باب أُغلق في وجوهنا كان يقودنا إلى باب آخر لم نكن نراه.

فامضِ في دربك مطمئن القلب، واجعل لك بين الناس أثراً جميلاً، واترك خلفك كلمة طيبة وذكراً حسناً، فإن العمر مهما طال قصير، والزمن مهما امتد راحل، ولا يبقى من الإنسان إلا ما زرعه في القلوب من خير، وما تركه في الدنيا من أثر يضيء عتمة الطريق لمن يأتي بعده.

فإذا أقبل المساء، وأرخى الليل ستائره على الدنيا، فاجلس مع نفسك جلسة محبة لا جلسة حسرة، وتأمل ما مضى بعين الحكمة لا بعين الندم، وقل للزمن في هدوء وثقة: أخذت من عمري سنوات، لكنك منحتني فهماً عميقاً للحياة لا يُشترى بكنوز الدنيا، وحكمة لا تقدر بثمن، وأملاً يتجدد مع كل شروق شمس جديدة.

وأجمل ما في العمر أن نعيش بسلام مع أنفسنا ومع الناس، فالزمن لا يرحم من يقاوم تقلباته وحركاته، لكنه يكافئ من يفهم رسالته القائلة: كل شيء يتغير، ويبقى الأثر الذي نتركه في قلوب الآخرين.
التعليقات