×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

صغائر الأمس وأثقال اليوم

صغائر الأمس وأثقال اليوم
بقلم / عبادل الشمراني 

لا أعلم لماذا أكتب الآن، ولعلّ الانتظار وانقطاع الشبكة في المقر دفعاني إلى ذلك. أشبه بطفلٍ ليس لديه ما يشغل وقته سوى لعبته التي أمامه، فلا وسيلة لديه غيرها. وربما لا يوجد رابط بين ما أكتبه وبين ما أنا فيه، لكنني الآن أعيش لحظة انتظار دخولي إلى طبيب العيون، كحال خاطبٍ يخفق قلبه انتظارًا لجواب خطيبته: قبولًا أم رفضًا.

كنت أتساءل: لماذا يستهين الإنسان ببعض الأمور التي يظنها بسيطة؟ كسهولة شرب كأس من الماء بالنسبة له. لكنه قد يكتشف لاحقًا أن الأمر أعظم مما ظن، كمن يقف أمام مياه البحار الشاسعة فلا يستطيع أن يروي عطشه منها. فيترك المشكلة حتى تتفاقم، ثم يدرك أخيرًا أن وقت إصلاحها قد حان.

ولكن لماذا؟

ربما كان بإمكانه أن يعالج الأمر حين كانت ثغراته صغيرة، كسهولة غرس الحبّة في يد الفلّاح أو عجن الدقيق في يد الخبّاز. فإصلاح المشكلات في بدايتها أيسر بكثير من مواجهتها بعد أن تتضخم بفعل الإهمال.

والحقيقة أنني لا أملك جوابًا قاطعًا، لكنني أستطيع أن أطرح بعض الأسباب التي أظن أنها تدفع الإنسان إلى إهمال الصغائر حتى تكبر وتصبح مصدرًا للتعب.

يهمس الإنسان لنفسه دائمًا:
الأمر بسيط… وسيُحل لاحقًا.


فالعقل يميل إلى الراحة الآنية، ويؤجل المواجهة ما دام الضرر غير ظاهر. ولهذا يقلل من حجم المخاطر ويهوّن من شأنها.

المشكلة الصغيرة لا تؤلم كثيرًا.

لكن علاجها بعد حين قد يتطلب جهدًا مضاعفًا. فيختار الإنسان ألمًا يسيرًا يمكن احتماله الآن، ويتجاهل ألمًا أكبر ينتظره في المستقبل.

الخوف مما وراء الباب.

فأحيانًا يشعر الإنسان أن معالجة مشكلة واحدة ستقوده إلى مواجهة أمور أخرى: اعتراف بخطأ، أو حوار صعب، أو تغيير نمط اعتاد عليه. لذلك يفضل الصمت والتأجيل، حتى تتراكم المشكلات فوق بعضها.

.
الظن بأن الوقت ملكه

فيقول: غدًا… لاحقًا… عندما أكون أفضل حالًا.

لكن الوقت لا يحل المشكلات، بل يكشفها. وما كان صغيرًا بالأمس قد يصبح أكبر اليوم، وأثقل غدًا.

وفي النهاية، يبقى السؤال قائمًا:

هل نهمل الأمور لأنها صغيرة فعلًا، أم لأننا لا نرى حجمها الحقيقي إلا بعد أن تكبر؟

لا أملك جوابًا يقنعني تمامًا، لكنني أدرك أن كثيرًا من الأعباء التي نشتكي منها اليوم كانت في يومٍ ما مشكلات صغيرة، وكان يكفيها قليل من الانتباه.
التعليقات