×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

غرباء الرفوف القديمة

غرباء الرفوف القديمة
بقلم / عبادل الشمراني 
في شارعٍ تتطاير فيه المركبات كما يتطاير الرصاص بلا توقّف، تقف تلك المكتبة وحيدةً كأنّها جثّةٌ منسيّة في قلب الضجيج؛ أبوابٌ أرهقها الصمت، ورفوفٌ أثقلها الغبار، وكتبٌ تنتظر عينًا تعيد إليها الحياة. وبين عجلة المدينة التي لا تهدأ، يبدو المشهد وكأن الثقافة قد تُركت خلف الركب، تُراقب المارّة بصمتٍ طويل، بينما تمضي الحياة مسرعةً دون أن تلتفت إلى ذلك العالم المكدّس بالحكايات والمعرفة.

لكن هناك القليل، النادرين جدًا، أولئك الذين يشبهون موسيقى قديمة لا يُحسن الإصغاء إليها إلا أصحاب الذوق الرفيع؛ يأتون إلى هذه الكتب العتيقة لا لشرائها فحسب، بل للتعارف معها، ولمجالستها كما تُجالس الأرواح النبيلة أصحابها القدامى. يقلبون صفحاتها ببطءٍ يشبه الحنين، ويستنشقون رائحة الورق كما لو أنّها ذاكرة زمنٍ لم تفسده السرعة بعد.

هؤلاء وحدهم يدركون أن بعض الكتب لا تُقرأ فقط، بل تُعاش؛ وأن المكتبات القديمة ليست متاجر صامتة، بل أمكنة تختبئ فيها أعمار البشر، وأفكارهم، وأصواتهم التي بقيت حيّة رغم رحيل اصحابها منذ اعوامًا طويلة.
التعليقات