×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

يوم التروية.. نفحات إيمان وخشوع

يوم التروية.. نفحات إيمان وخشوع
بقلم / سمحه العرياني 
يستقبل المسلمون يوم التروية بمشاعرٍ يغمرها الشوق والسكينة، فهو من الأيام العظيمة التي تتجلى فيها معاني الطاعة والخضوع لله تعالى، وتتهيأ فيه القلوب لأعظم مشاهد الحج. ومع طلوع شمس الثامن من ذي الحجة، تبدأ أفواج الحجيج بالتوجه إلى مشعر منى، ملبين ومكبرين، في صورة إيمانية مهيبة تتوحد فيها الأصوات والوجوه والقلوب على كلمة التوحيد، بينما تفيض الأجواء بروحانية لا تشبه سواها.

ويحمل يوم التروية مكانة خاصة في نفوس المسلمين، إذ يمثل بداية رحلة الحج الفعلية، واستعدادًا للوقوف بعرفة، الركن الأعظم من أركان الحج. وقد سُمي بهذا الاسم لأن الحجاج قديمًا كانوا يتزوّدون فيه بالماء استعدادًا لأيام المشاعر، فظل الاسم شاهدًا على تاريخ هذه الشعيرة المباركة وعظمتها. وفي هذا اليوم، يقتدي الحجاج بسنة النبي محمد ﷺ، فيتوجهون إلى منى حيث يقضون أوقاتهم في الصلاة والذكر والدعاء، مستشعرين عظمة الموقف وقربهم من الله تعالى.
وفي مشعر منى، تتجسد أسمى صور الوحدة الإسلامية، حيث يجتمع الملايين من مختلف الجنسيات والثقافات واللغات، لكنهم يلتقون على هدفٍ واحد وقلبٍ واحد، يرددون التلبية بخشوع: “لبيك اللهم لبيك”. هناك تختفي الفوارق الدنيوية، وتتساوى القلوب أمام عظمة الخالق، في مشهدٍ يعكس حقيقة الإسلام القائمة على الأخوة والمحبة والتجرد لله وحده.
ويمنح يوم التروية الحاج فرصة للتأمل ومراجعة النفس، فهو محطة إيمانية يتهيأ فيها القلب للوقوف بعرفة، ذلك الموقف العظيم الذي تتنزل فيه الرحمات وتُغفر فيه الذنوب. وبين الدعاء والصلاة وقراءة القرآن، يعيش الحاج لحظاتٍ من الصفاء الروحي والسكينة العميقة، وكأن الدنيا بكل صخبها تتلاشى أمام عظمة هذه الشعائر المباركة.
ولا تقتصر نفحات يوم التروية على الحجاج وحدهم، بل تمتد إلى المسلمين في كل مكان، حيث يحرص الكثيرون على اغتنام فضل هذه الأيام بالإكثار من الأعمال الصالحة، كالذكر والصيام والصدقة وقراءة القرآن وصلة الأرحام. فالعشر الأوائل من ذي الحجة من أعظم أيام العام، والعمل الصالح فيها أحب إلى الله، ما يجعل يوم التروية بابًا واسعًا للطاعة والتقرب إلى الله.

كما يعكس يوم التروية حجم الجهود العظيمة التي تبذلها المملكة العربية السعودية في خدمة ضيوف الرحمن، من خلال منظومة متكاملة من الخدمات والتنظيم والرعاية الصحية والأمنية، بما يضمن للحجاج أداء مناسكهم بكل يسر وطمأنينة. وفي كل عام، تتجدد صور العناية بالحجاج، لتظهر المشاعر المقدسة في أبهى صورة تنظيمية وإنسانية، تعكس اهتمام القيادة الرشيدة بخدمة الإسلام والمسلمين.

ومع غروب شمس يوم التروية، تبقى القلوب معلقة بالدعاء والرجاء، وتظل الأرواح مهيأة لاستقبال يوم عرفة، اليوم الأعظم في رحلة الحج. إنه يومٌ تفيض فيه السكينة على النفوس، وتتعطر فيه الأرواح بذكر الله، وتسمو فيه المشاعر فوق كل هموم الدنيا، ليبقى يوم التروية شاهدًا خالدًا على عظمة الحج، وروعة الإيمان، وجمال الطاعة التي تجمع المسلمين من كل بقاع الأرض في رحلةٍ عنوانها الرحمة والخشوع والقرب من الله تعالى..
التعليقات