×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

حين يكون الصمت أبلغ من الكلام

حين يكون الصمت أبلغ من الكلام
بقلم/ محمد أحمري 

في زمن ازدحام الأصوات
في زمنٍ ازدحمت فيه الأصوات، وتسابقت الألسنة إلى الحديث في كل شأن، يبقى للصمت هيبته التي لا يدركها إلا العقلاء. فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل حديثٍ يليق أن يُروى، ولذلك قيل:
“العلم زين، والسكوت سلامة، فإذا نطقت فلا تكن مكثارًا.”

حكمة العلم وميزان الكلام
كلماتٌ تختصر حكمة العمر، وتضع الإنسان أمام ميزانٍ دقيق؛ فالعلم يرفع قدر صاحبه، لكن الحكمة في كيفية استخدامه، وفي معرفة متى يتحدث ومتى يلوذ بالصمت. فكم من كلمةٍ رفعت إنسانًا، وكم من كلمةٍ أسقطت آخر في ندمٍ طويل.
ولذلك جاء القول العميق:
“ما ندمت على سكوتي مرة، ولقد ندمت على الكلام مرارًا.”

الصمت موقف لا ضعف
فالسكوت عند الغضب قوة، وعند الفتنة نجاة، وعند الجهل وقار. أما التسرع بالكلام فقد يفتح أبوابًا من الندم لا تُغلق بسهولة. والكلمة ليست مجرد حروف تُقال، بل مسؤولية قد تبني علاقة أو تهدمها، وقد تُصلح قلبًا أو تكسره.

من حكمة لقمان
ويُروى أن رجلًا كان يختلف إلى لقمان الحكيم يريد أن يسأله، فلما رآه قد لبس درعه استعدادًا للحرب قال متعجبًا: “ما أحسن هذا الدرع للحرب!” فقال لقمان:
“الصمت حكمة، وقليلٌ فاعله.”

الكلمة بين الأثر والنتيجة
وهنا تتجلى عظمة الحكمة؛ فالصمت ليس ضعفًا كما يظنه البعض، بل هو درعٌ يحمي الإنسان من الزلل، ويمنحه فرصة التأمل قبل النطق. فالعاقل لا يقيس نفسه بكثرة كلامه، بل بوزن كلماته وأثرها.

المجالس وميزان الحديث
إن المجالس لا تُزين بكثرة المتحدثين، بل بمن يعرف متى يتحدث، وكيف يختار عباراته. فالكلمة الطيبة صدقة، والكلمة الجارحة قد تبقى في القلب أعوامًا. ومن الحكمة أن يجعل الإنسان لسانه خلف عقله، لا أن يجعل عقله أسيرًا للسانه.

خاتمة : الصمت لغة الحكماء
وفي نهاية الأمر، يبقى الوقار صفة الحكماء، ويبقى الصمت في كثيرٍ من المواقف لغةً لا يجيدها إلا أصحاب البصيرة؛ أولئك الذين أدركوا أن بعض الكلام لا يزيد الحياة إلا ضجيجًا، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من ألف حديث..
التعليقات