القلق الحرب التي لا يراها أحد

بقلم / عبادل الشمراني
يتطايرُ بخارُ كوبِ الشاي أمامي، فأحدّق فيه كما يحدّق فارسٌ بغبارِ معركةٍ لا يعرف إن كان سيعود منها حيًّا أم ذكرى. معركةٌ تلمع فيها السيوفُ دامية، وتدنو الرقابُ كأنها سنابلُ أرهقها الريح، وتجري الخيولُ مذعورةً فوق أرضٍ ارتوت بالخوف. الدمعُ فيها بركانيّ، لا يسقط هادئًا، بل يندفعُ من أعماق الروح كحممٍ تبحث عن منفذ، والقلوبُ قاسيةٌ كأنها لم تعرف الطمأنينة يومًا، والأيادي قاضيةٌ لا تُجيد سوى دفع الإنسان نحو هاوية التفكير.
وحدي أجلس، وبين قلبي وعقلي حربٌ لا هدنة فيها. قلبي يريد النجاة بالشعور، وعقلي يجرّني إلى متاهة الأسئلة، وكلاهما عليَّ عاصٍ، وكأن في داخلي مملكةً انقسم جيشها على نفسه. ثم يتسلّل إليَّ بيتٌ من شعر أبي الطيب المتنبي، كأنه كُتب لأجل هذه اللحظة.
على قلقٍ كأنَّ الريحَ تحتي
أُوجِّهُها جنوبًا أو شمالا
هكذا يبدو القلق؛ ريحًا لا تهدأ داخل الإنسان، تدفعه من فكرةٍ إلى أخرى، ومن خوفٍ إلى خوف، حتى يفقد القدرة على السكون. إنه ليس مجرد شعورٍ عابر، بل حالةٌ تستنزف الروح ببطء، وتجعل العقل في حالة استنفارٍ دائم، كأن الحياة كلها خطرٌ مؤجل.
في هذا العصر، لم يعد القلق حالةً نادرة، بل صار رفيقًا يوميًّا لكثيرٍ من الناس. فالحياة تسير بسرعةٍ هائلة، والإنسان يلاحق المستقبل قبل أن يعيش الحاضر؛ يخاف من الفشل قبل أن يجرّب، ويحزن على ما لم يحدث بعد، ويستنزف نفسه في توقعاتٍ لا تنتهي. حتى لحظات الراحة أصبحت مشغولةً بالتفكير، وكأن العقل فقد قدرته على الصمت.
ولعلّ أكثر ما يؤلم في القلق أنه معركةٌ غير مرئية؛ قد يبدو الإنسان هادئًا من الخارج، بينما في داخله ضجيجٌ لا يتوقف. يبتسم أحيانًا وهو مثقل، ويتحدث بشكلٍ طبيعي بينما تتزاحم في رأسه آلاف الاحتمالات والهواجس. لذلك فإن كثيرًا من معارك البشر الحقيقية لا تُرى، لأنها تُخاض في أعماقهم بصمت.
ومع ذلك، فإن الإنسان لا يُخلق ليبقى أسير هذا الاضطراب. فالطمأنينة ليست غياب المشكلات، بل القدرة على التعايش معها دون أن تسرق الحياة من القلب. يحتاج الإنسان أحيانًا إلى أن يتوقف قليلًا، أن يصالح نفسه، وأن يدرك أن ليس كل ما يخشاه سيحدث، وأن بعض الأثقال يخلقها العقل أكثر مما تصنعها الحياة. فالقلق مهما اشتد يبقى عابرًا، إذا وجد الإنسان في داخله يقينًا يُطمئنه، وإيمانًا يعيده إلى السكون كلما بعثرت الرياح روحه.
وحدي أجلس، وبين قلبي وعقلي حربٌ لا هدنة فيها. قلبي يريد النجاة بالشعور، وعقلي يجرّني إلى متاهة الأسئلة، وكلاهما عليَّ عاصٍ، وكأن في داخلي مملكةً انقسم جيشها على نفسه. ثم يتسلّل إليَّ بيتٌ من شعر أبي الطيب المتنبي، كأنه كُتب لأجل هذه اللحظة.
على قلقٍ كأنَّ الريحَ تحتي
أُوجِّهُها جنوبًا أو شمالا
هكذا يبدو القلق؛ ريحًا لا تهدأ داخل الإنسان، تدفعه من فكرةٍ إلى أخرى، ومن خوفٍ إلى خوف، حتى يفقد القدرة على السكون. إنه ليس مجرد شعورٍ عابر، بل حالةٌ تستنزف الروح ببطء، وتجعل العقل في حالة استنفارٍ دائم، كأن الحياة كلها خطرٌ مؤجل.
في هذا العصر، لم يعد القلق حالةً نادرة، بل صار رفيقًا يوميًّا لكثيرٍ من الناس. فالحياة تسير بسرعةٍ هائلة، والإنسان يلاحق المستقبل قبل أن يعيش الحاضر؛ يخاف من الفشل قبل أن يجرّب، ويحزن على ما لم يحدث بعد، ويستنزف نفسه في توقعاتٍ لا تنتهي. حتى لحظات الراحة أصبحت مشغولةً بالتفكير، وكأن العقل فقد قدرته على الصمت.
ولعلّ أكثر ما يؤلم في القلق أنه معركةٌ غير مرئية؛ قد يبدو الإنسان هادئًا من الخارج، بينما في داخله ضجيجٌ لا يتوقف. يبتسم أحيانًا وهو مثقل، ويتحدث بشكلٍ طبيعي بينما تتزاحم في رأسه آلاف الاحتمالات والهواجس. لذلك فإن كثيرًا من معارك البشر الحقيقية لا تُرى، لأنها تُخاض في أعماقهم بصمت.
ومع ذلك، فإن الإنسان لا يُخلق ليبقى أسير هذا الاضطراب. فالطمأنينة ليست غياب المشكلات، بل القدرة على التعايش معها دون أن تسرق الحياة من القلب. يحتاج الإنسان أحيانًا إلى أن يتوقف قليلًا، أن يصالح نفسه، وأن يدرك أن ليس كل ما يخشاه سيحدث، وأن بعض الأثقال يخلقها العقل أكثر مما تصنعها الحياة. فالقلق مهما اشتد يبقى عابرًا، إذا وجد الإنسان في داخله يقينًا يُطمئنه، وإيمانًا يعيده إلى السكون كلما بعثرت الرياح روحه.