بين تيه الفكرة ونور البصيرة

بقلم / عبادل الشمراني
انشغل باله بالتفكير كطفلٍ ألهته لعبةٌ لا يملك سواها، فلا يرى غيرها ولا يلتفت لشيءٍ سواها يمضي في تفاصيلها الصغيرة، يعيدها مرارًا، حتى انبثق في صدره همٌّ أثقل كاهله، فظلّ يندب حاله ويبحث عن دواءٍ لداءٍ لا يُرى ضعف حفظه، كالكهل الذي أثقله العمر، حتى غدا لا يدرك ما يقول، ولا يحفظ ما يُملى عليه وحار في تفكيره كالمحارب الذي ضلّ عنه تدبير جيشه، تتنازعه الخطط وتخذله الحيلة، فلا هو أحسن التقدّم ولا هو أحسن التراجع.
غير أن هذا التيه، على قسوته، قد يحمل في طيّاته بداية وعيٍ مختلف؛ إذ يدرك الإنسان، بعد طول دوران، أن كثرة التفكير لا تعني بالضرورة اقتراب الحل، وأن العقل إذا أُرهق بالصراع خذل صاحبه، فيبدأ ولو على استحياء، في التخفّف من هذا الحمل، ويمنح نفسه فسحةً من الهدوء، ويقبل بأن بعض الأمور تحتاج إلى وقتٍ أكثر من حاجتها إلى الإلحاح.
وفي لحظة صدقٍ مع النفس، قد تلوح له كلمةٌ تغيّر وجهته، كأنها طوق نجاةٍ يُلقى إليه وسط الغرق. يتذكّر أن صفاء العقل ليس منفصلًا عن صفاء القلب، وأن البصيرة لا تُشرق في نفسٍ مثقلةٍ بما يُعكّرها. وهنا يتردّد في داخله المعنى الذي قاله وكيع للإمام الشافعي
إنّ العلم نور، ونور الله لا يُؤتاه عاصٍ.
وهنا يدرك أن النجاة لا تكون بكثرة التفكير وانشغال العقل، بل بصدق التوجّه والنية، وأن العقل، مهما أوتي من قدرةٍ على التحليل، يظلّ أعمى إن لم يُنِر القلب طريقه. فليس كل ما يُفكَّر فيه يُفهم، ولا كل ما يُطلب يُدرك، حتى يصفو الداخل وتستقيم الوجهة
عندها فقط، لا تعود الأفكار سجنًا، بل تصبح سبيلًا، ولا يكون الهمّ ثِقلاً، بل باعثًا على التغيير. فينهض من غرقه، لا لأنه وجد كل الإجابات، بل لأنه تعلّم أين يبحث، وكيف يسير، وبأي قلبٍ يواجه الحياة..
غير أن هذا التيه، على قسوته، قد يحمل في طيّاته بداية وعيٍ مختلف؛ إذ يدرك الإنسان، بعد طول دوران، أن كثرة التفكير لا تعني بالضرورة اقتراب الحل، وأن العقل إذا أُرهق بالصراع خذل صاحبه، فيبدأ ولو على استحياء، في التخفّف من هذا الحمل، ويمنح نفسه فسحةً من الهدوء، ويقبل بأن بعض الأمور تحتاج إلى وقتٍ أكثر من حاجتها إلى الإلحاح.
وفي لحظة صدقٍ مع النفس، قد تلوح له كلمةٌ تغيّر وجهته، كأنها طوق نجاةٍ يُلقى إليه وسط الغرق. يتذكّر أن صفاء العقل ليس منفصلًا عن صفاء القلب، وأن البصيرة لا تُشرق في نفسٍ مثقلةٍ بما يُعكّرها. وهنا يتردّد في داخله المعنى الذي قاله وكيع للإمام الشافعي
إنّ العلم نور، ونور الله لا يُؤتاه عاصٍ.
وهنا يدرك أن النجاة لا تكون بكثرة التفكير وانشغال العقل، بل بصدق التوجّه والنية، وأن العقل، مهما أوتي من قدرةٍ على التحليل، يظلّ أعمى إن لم يُنِر القلب طريقه. فليس كل ما يُفكَّر فيه يُفهم، ولا كل ما يُطلب يُدرك، حتى يصفو الداخل وتستقيم الوجهة
عندها فقط، لا تعود الأفكار سجنًا، بل تصبح سبيلًا، ولا يكون الهمّ ثِقلاً، بل باعثًا على التغيير. فينهض من غرقه، لا لأنه وجد كل الإجابات، بل لأنه تعلّم أين يبحث، وكيف يسير، وبأي قلبٍ يواجه الحياة..