×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

رصاص بلا صوت

رصاص بلا صوت
بقلم / موضي عوده العمراني 

ليست كلُّ الطلقات تُسمَع، ولا كلُّ الجراح تُرى. فالرصاصة حين تُطلَق وتخترق الجسد، يُدرك الجميع خطرها، وتُبذل الجهود لإنقاذ المصاب منها. لكن ثمة نوعٌ آخر من الطلقات، أشدُّ خفاءً وأبقى أثرًا، لا تُطلق من سلاح، بل من لسان.

الكلمات في ظاهرها خفيفة، تمرّ عابرةً لا تُرى، لكن أثرها قد يكون أعمق من جرحٍ غائر. كلمةٌ قاسية، أو سخريةٌ عابرة، أو حكمٌ متسرّع، قد تخترق قلبًا لا يملك درعًا يقيه، فتترك فيه أثرًا لا يزول بسهولة. وما يجعلها أكثر خطرًا، أن قائلها قد لا يشعر بثقلها، ولا يدرك أنه أطلق رصاصةً لا تُرى، لكنها أصابت هدفها بدقة.

في العلاقات الإنسانية، لا تُقاس القوة بحدة الكلام، ولا تُبنى الهيبة بإيلام الآخرين. فالكلمة مسؤولية، وهي انعكاسٌ لما في داخل الإنسان من وعيٍ ونُبل. والإنسان الواعي هو من يُدرك أن ما ينطق به قد يكون سببًا في بناء نفسٍ أو كسرها، في رفع معنوياتٍ أو دفنها.

كم من قلبٍ نزف بصمت، لا لأنه تعرّض لأذى ظاهر، بل لأنه أُصيب بكلماتٍ لم يُحسب لها حساب. وكم من علاقةٍ انتهت، لا بفعل حدثٍ كبير، بل بسبب تراكم كلماتٍ صغيرة، كانت كالرصاص، تصيب مرةً بعد أخرى، حتى تترك أثرًا لا يُمحى.

إن الصمت أحيانًا حكمة، واختيار الكلمات بعناية قوة، والتفكير قبل النطق وعيٌ لا يملكه الجميع. فليس كل ما يُقال يجب أن يُقال، وليس كل ما يخطر في الذهن يستحق أن يُنطق.

قد ننسى مواقف كثيرة، لكننا نادرًا ما ننسى كلمةً جرحتنا أو أخرى أنقذتنا. وبين الجرح والإنقاذ، يقف اللسان شاهدًا على إنسانيتنا… أو غيابها..
التعليقات