×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

الامتلاء الزائف

الامتلاء الزائف
بقلم : ذكرى الشبيلي 
في دستور "الإتيكيت" الاجتماعي، هناك قاعدة ذهبية غير مكتوبة تقول: "كلما ارتفع صوت المرء بالحديث عن ذاته، انخفضت نبرة تأثيره في قلوب الآخرين". إنّ القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بمدى قدرته على تسليط الأضواء على إنجازاته، أو تحويل المجالس إلى منصات استعراضية لمناقبه، بل تكمن في ذلك "الامتلاء الداخلي" الذي يمنحه وقارًا يغنيه عن البهرجة اللفظية.

من الحق المشروعة للمرء أن يفخر بما حقق، لكن الفخر حين يتجاوز حدوده ليصبح 80% من محتوى الحديث، فإنه يفقد بريقه ويتحول إلى عبء على المستمعين. إننا نجد في زوايا المجالس شخصيات صامتة، لكنها تمتلك "كاريزما" طاغية وثقة تملأ المكان؛ هؤلاء هم من أدركوا مبكرًا أن القيمة لا تُستمد من التصفيق الخارجي، بل من التصالح التام مع الذات ومعرفة قدرها دون الحاجة لإثباته في كل محفل.

من أخطر الظواهر "السامة" التي قد يقع فيها الإنسان، هي رهن قيمته الشخصية بمستوى منصبه أو عدد الأوسمة المعلقة على صدره. هذا الارتباط الشرطي يجعل المرء في حالة قلق دائم، باحثاً عن تأكيد خارجي لهويته. بينما الشخص المتصالح فعلياً مع نفسه، يدرك أن المنصب يذهب، والإنجازات تُنسى، ويبقى الجوهر الإنساني هو الثابت الوحيد.

علينا اليوم أن نعيد النظر في مفاهيم الثقة؛ فالثقة الحقيقية هي تلك "الهيبة" التي تسبق كلامك، وهي الأثر الذي يتركه حضورك حتى وإن التزمت الصمت. الناس بطبعها تميل لمن يمنحهم مساحة للاستماع، ولا تستلطف من يحاصرهم ببطولاته الشخصية.

ختامًا، إن الشخص الواثق حقًا هو من يترك أعماله تتحدث بلسان فصيح نيابة عنه، فالإنجاز الذي يحتاج إلى "دعاية" مستمرة من صاحبه هو إنجاز يفتقر إلى العمق. كُن ممتلئًا من الداخل، لتنعكس هيبتك على الخارج دون عناء.
التعليقات