×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

فوق الضجيج

فوق الضجيج
بقلم / سلافة سمباوه 
لم يعد من الغريب أن يمرّ الإنسان في حياته بسلسلة من الاحتكاكات المرهقة؛ خلافات، خصومات، مواقف مشحونة، أو احتكاك مباشر مع طبائع لا تُشبهه. هذه ليست استثناءات، بل جزء من نسيج الحياة اليومية، أينما كان: في البيت، في العمل، في الشارع، وحتى خلف الشاشات.

في كل محيط، ستجد أنماطًا مختلفة من البشر: من يعتقد أن الاختلاف عداوة، ومن يتغذّى على التقليل من الآخرين، ومن لا يرتاح إلا بإثارة الفوضى، أو فرض السيطرة، أو لفت الانتباه بأي طريقة. هناك من يلبس قناع المعرفة وهو غارق في الجهل، ومن يتكئ على الغضب ليخفي هشاشته، ومن يهوى العبث بثقة الآخرين بأنفسهم، وكأن مهمته في الحياة أن يُربكك، لا أن يتركك تمضي.

وخلال رحلتك اليومية، ستقابل من يحاول التشويش على رؤيتك، ومن يسعى لتعطيل خطواتك، ومن يُحمّلك ما لا تحتمل، أو يُفسر نواياك بسوء. ستجد من يجرّك نحو صغائر الأمور بينما أنت مشغول بمعاليها، ومن يضيق ذرعًا بنجاحك، أو يثقل طريقك بالتعليقات والسخرية والانتقاص.

هذه الفئة ليست قليلة، ولا يمكن تجنبها تمامًا، لأنها جزء من الواقع. لكن السؤال ليس: كيف نُغيّرهم؟ بل: كيف نحافظ على أنفسنا وسط هذا الضجيج؟

الإنسان الواعي لا ينشغل بمحاولة إصلاح كل من حوله، بل يركّز على ضبط ذاته. يدرك أن الانجرار إلى نفس المستوى خسارة مضاعفة، وأن الردّ بالغضب لا يصنع توازنًا، بل يوسّع الفوضى. لذلك، يتعلّم أن يختار معاركه بعناية، وأن يميّز بين ما يستحق الردّ، وما يُترك ليذبل في صمته.

السيطرة على النفس ليست ضعفًا، بل قوة ناضجة. أن تضبط انفعالك حين يُستفزّ، وأن تتجاهل حين يكون التجاهل أذكى، وأن تردّ حين يكون الردّ ضرورة، دون أن تفقد اتزانك. هذا هو الفارق بين من يعيش ردّة فعل، ومن يعيش وعيًا.

ليس المطلوب أن تكون صامتًا دائمًا، ولا أن تتنازل عن حقك، بل أن تعبّر دون أن تتلوث، وأن تدافع دون أن تتحول إلى نسخة ممن يؤذيك. أن تبقى متمسكًا بقيمك، حتى حين يحاول الآخرون جرك إلى مستواهم.

تعلّم أن ترى هذه السلوكيات على حقيقتها: انعكاسًا لنقص، أو ألم، أو اضطراب. لا لتبريرها، بل لفهمها دون أن تحملها داخلك. فالامتلاء بالكراهية لا يضرّ إلا صاحبه، والاشتباك المستمر يستهلك طاقتك فيما لا يستحق.

لذلك، احمِ مساحتك النفسية. لا تسمح لكل صوت أن يسكنك، ولا لكل موقف أن يُربكك. اختر ما يدخل عالمك، وامنح انتباهك لما يستحق فقط. فبعض التجاهل ليس ضعفًا، بل ذكاء، وبعض الصمت ليس عجزًا، بل سيطرة.

في النهاية، القوة الحقيقية ليست في الانتصار على الآخرين، بل في الحفاظ على نفسك كما تريدها: متزنة، واضحة، غير قابلة للاستفزاز الرخيص.
أن تمضي في طريقك، رغم كل ما يُلقى فيه، دون أن تتوقف لتلتقط كل حجر.

كن أكبر من التفاصيل الصغيرة،
وأهدأ من الفوضى حولك،
وأذكى من أن تُستدرج لكل معركة.
التعليقات