×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

دساتير الغياب.. وعقيدة الجذور

دساتير الغياب.. وعقيدة الجذور
بقلم / سلافة سمباوه 

لقد وضعتُ على نافذة قلبه لغات حبٍ أربكته، ولربما أخافته. لم أنتظر مقابلاً، لكنني كنتُ أخبره أنني أراه حينما ظنّ أنني لا أراه. ومضيتُ دون أن أنتظر عرفاناً ولا شكراً ولا تقديراً، لأنني تعلمتُ أن النهاية واحدة؛ فنحن في الأخير راحلون بموتٍ أو بمغادرة هذه الحياة.

كنتُ أخاطب قلبه الخائف وعقله الذي لا يهدأ. ذلك العقل الذي يهرب أحياناً من عمق الحقيقة إلى ضجيج الوجوه المتعددة، ظناً منه أن التشتت أمان، وأن التردد يحميه من الوقوع في فخ الانتماء لروح واحدة. لربما أنا فاقد الشيء ولكنني أعطيه، ولعلي أهب الجميع ذات الشعور. لكنني أقرأ الوجوه كما تقرأني؛ ألمح في الصمت بقايا طفولة لم تجد من يحتويها، وتعلقاً يخشى الاقتراب لئلا يحترق، ومخاوف قديمة تشكلت قبل أن نلتقي بظهورها وغيابها.

لعله قلبه خُذل مثل قلبي. ولعلي عصفورة خائفة، ولعلي هواء عاصف إن غضبت، ولكني صحوة طوال الوقت. فالعواصف تقتلع ثباتنا ويقيننا حتى لم نعد نميز الطيب من الخبيث، لكن قلوبنا تبصر وعقولنا تنكر، والأصوات الخارجية تؤجج وتضلل.

الغريب أن الثبات يخيف المترددين. فبدلاً من أن يكون الميناء، يصبح المرآة التي تكشف قلقهم. ومن لا يملك شجاعة الحسم يظل عالقاً في منطقة الرمال المتحركة؛ فلا هو يرحل بوضوح ليمنحنا السلام، ولا هو يقترب بيقين ليرمم ما تكسر.
إن الوضوح، حتى وإن كان مؤلماً، هو قمة الرقي.

فالنفوس النبيلة لا تترك الأبواب مواربة لتتعلق بها قلوب الآخرين. وإذا كان هذا الفضاء لم يعد يتسع لوجودنا، فالأجمل أن تُقال الحقيقة بصدق، ليرتاح من يحمل عبء الصمت، ويرتاح من ينتظر على عتبة الترقب.

لماذا يختار البعض سياسة الاختبارات الطويلة لمن منحهم اليقين؟ وما الجدوى من الوعود إذا تحولت إلى قيود من الصمت والتردد؟ لم نكن يوماً عالة على عواطف أحد، ولم تكن حياتنا خالية من الفرص والقلوب التي تتمنى أن تمنحنا التقدير والرعاية والحب. لكننا اخترنا بملء إرادتنا أن نكون هنا.

ومن المعيب أن نُطالب بالثبات بينما الآخر يتفنن في الاهتزاز. فاستعادة الاعتبار لا تكون بالكلمات، بل بالمواقف الشجاعة التي تُخرس الألسن وتعيد للروح وقارها أمام الجميع. فالصدق يحتاج إلى قوة لا يمتلكها الجميع. وسيعرف أولئك الذين استوطنوا الصمت طويلاً أن الأمان لم يكن يوماً في الهروب، بل في تلك القلوب التي لم تغادر حتى وهي في قمة وجعها.

قيمتنا ثابتة كالشمس، لا يطمسها تجاهل ولا يزيدها شكر. فنحن من نمنح الروح للأماكن والعمق للأشخاص. والتردد في حضرة الوفاء إهانة للذكاء قبل القلب. ومن يترك لغيره فرصة احتواء صدقنا عليه أن يدرك أن الاستثناء لا يُمنح مرتين.
لقد كنا الوطن لمن تاه.

فإذا اختار التيه مجدداً، فليعلم أن موانئنا لا تظل مفتوحة لمن يستهويه الضياع في الاختبارات العقيمة. فنحن لا ننتظر من أحد أن يمنحنا قيمتنا؛ فالأماكن التي لا نُعظّم فيها لا تليق بمقامنا، والقلوب التي تخاف من صدقنا اختارت أن تعيش في الظل، بينما نحن خُلقنا لنكون النور واليقين الذي لا يقبل القسمة على اثنين.
التعليقات