×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

المعهد الملكي للأنثروبولوجيا.. حين تقرأُنا "عيوننا" لا عيون الغرب

المعهد الملكي للأنثروبولوجيا.. حين تقرأُنا "عيوننا" لا عيون الغرب
بقلم/ ذكرى الشبيلي 

الأرض لا تتحدث بالخرائط، بل بما يتركه السائرون عليها من أثر؛ في تقاسيم الوجوه التي لوّحتها الشمس، وفي الرموز التي نتبادلها فوق فناجين القهوة دون أن ننطق بكلمة.
نحن اليوم في غمرة تحولٍ وطني كبير، والتحول الحقيقي ليس في تبديل المكان، بل في إعادة اكتشاف "المكين"؛ الإنسان الذي يسبق بنيانه دائما.

ومن هنا تبرز عبقرية قرار مجلس الوزراء بتأسيس "المعهد الملكي للأنثروبولوجيا"؛ هو إعلان سيادة ثقافية واستحقاق وجداني تأخر لعقود.

الأنثروبولوجيا، أو "علم الأناسة"، هي الحقل الذي يختص بالدراسة العلمية لهذا الكائن الذي يهيمن على الكوكب بذكائه ولغته.
هي العلم الذي يجيب على أسئلة حصيفة في باطنها، غريبة في ظاهرها: لماذا نستهجن تقديم الفنجان باليد اليسرى؟ ولماذا يرتدي الرجل في جازان "العصابة" والنباتات العطرية كجزء من زينته وهوية انتمائه للأرض؟ وكيف تُشكل "العزوة" والأهازيج الجازانية القديمة نظامًا اجتماعيًا متكاملا للحماية والتعاضد؟

إنها العلم الذي يدرس الإنسان في أبعاده الأربعة: الاجتماعية، والثقافية، واللغوية، والبيولوجية. ورغم أن هذا العلم وُلد في أوروبا في القرن التاسع عشر، إلا أن لأسلافنا العرب السبق؛ فقد طبق ابن خلدون المنهج الأنثروبولوجي بالمشاركة حين دوّن حياة المجتمعات الرعوية، وكان أول من أصل لفكرة تأثر الإنسان ببيئته، بل ويعود إليه الفضل في تدوين أقدم قصيدة نبطية في التاريخ، حمايةً لإرث قبيلة "بني هلال".

من "موضوع" للدراسة إلى "شريك" في المعرفة
لقد ظل "الشرق" لفترة طويلة يُقرأ بعيون "الآخر". كان المستشرقون، من أمثال تشارلز دوتي وألويس موسيل، هم من يوثقون تفاصيلنا.
ورغم جهدهم، إلا أن رؤيتهم ظلت أسيرة "المركزية الغربية" التي ترى فينا "موضوعا" للدراسة، لا شريكا في إنتاج المعرفة.
بل إن هذا العلم استُخدم قديماً كأداة استعمارية واستخباراتية، كما حدث في تحليل المجتمع الياباني في الحرب العالمية الثانية، أو في حربي العراق وأفغانستان.

لذا، فإن تأسيس هذا المعهد هو استردادٌ لزمام المبادرة؛ لكي ننتقل من خانة "الموصوف" إلى خانة "الواصف".
نحن الآن من يمتلك الأدوات العلمية لنفسر تحولاتنا، ونحفظ ذاكرتنا بعيوننا نحن، لا بعيون الغرباء الذين قد يسيئون فهم رمزياتنا وتراثنا.

وعن حماية الهوية في عصر "السيولة الرقمية"
نحن نعيش في مجتمع ضخم ومركب، له جذور ضاربة في العمق الجاهلي والإسلامي، نشأ من رحم مجتمعات محلية (بدوية وقروية وساحلية) قد لا تنجح مناهج علم الاجتماع الغربية الحديثة في تفسيرها كليًا.
إن إهمال هذا العلم سابقًا جعل الكثيرين يجهلون أساطيرنا وموروثنا الشعبي، في حين حوّل الآخرون قصصهم إلى "أيقونات" عالمية.
لقد واجه رواد الأنثروبولوجيا السعوديون، وعلى رأسهم الدكتور سعد الصويان، ممانعة شديدة وتيارات حاولت قمع هذا العلم؛ بحجة أن الموروث الشعبي "حقبة يجب تجاوزها".
لكن الوعي الجديد أدرك أن خلفية المجتمع ليست "تخلفا"، بل تعد تجربة إنسانية فريدة لها الحق في رواية قصتها بنفسها دون تدليس أو خجل.

و تكمن أهمية المعهد في سياق "رؤية 2030" بوصفه "الحارس الأمين" لهويتنا في عصر "السيولة الرقمية" التي عرضت جذورنا لهزات كبرى.
الأنثروبولوجي الوطني اليوم يعمل كمترجم للروح الاجتماعية، يضمن أن يظل التحديث منسجما مع "الأصالة"، محولًا تراثنا من مجرد "فلكلور" إلى "قوة ناعمة" تليق بمكانة المملكة عالميا.

وختاما.. إن تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا هو بيان من شعب يحب هويته، ويرفض تعجيل موتها. إنه تكريم للإنسان السعودي، واستعادة له من رفوف المستشرقين ومن القوالب الجاهزة.
شكرًا لقرارٍ أدرك أن أثمن ما نملك ليس ما نختزنه تحت الأرض، بل هو ذلك "المخزون الثقافي" الهائل الذي يسكن في وجدان إنساننا وذاكرة مجتمعنا.
التعليقات