×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

حين يصبح الحب موطنًا لا معركة

حين يصبح الحب موطنًا لا معركة
بقلم/ سلافة سمباوه 
في ظل تسارع وتيرة الحياة وتزايد الضغوط اليومية، لم يعد البحث عن علاقة عاطفية صحية ترفًا وجدانيًا، بل أصبح ضرورة لتحقيق التوازن الداخلي والاستقرار النفسي؛ فالعلاقة الآمنة لا تقوم على الاندماج الكامل أو الاعتماد المتبادل، بل تستند إلى حضور داعم يعيد ترتيب الإنسان من الداخل، دون أن يفرض عليه التغيير أو يشعره بأنه في حالة نقص دائم.

هذا النوع من الروابط الإنسانية لا يدفع الفرد إلى محاولة إثبات جدارته بالحب، بل يمنحه شعورًا بالاكتفاء وهو في أكثر حالاته صدقًا مع ذاته؛ ومع توفر الأمان العاطفي، تبدأ آثار التجارب المؤلمة السابقة في التراجع تدريجيًا، لا لأنها أُهملت أو أُقصيت، وإنما نتيجة وجود بيئة نفسية مستقرة تسهم في احتوائها ومعالجتها بوعي واتزان.

العلاقة المتزنة لا تُدار باعتبارها اختبارًا مستمرًا للولاء أو الصبر، ولا تُخضع لمعادلات تحليلية باردة تبحث عن النقص والخلل، بل تقوم على وضوح في التواصل واتساق بين القول والفعل؛ ويظهر الثبات فيها من خلال ممارسات يومية بسيطة، مثل الدعم في لحظات الضعف، والحضور في أوقات الإرهاق، والتعبير الصادق في الوقت المناسب دون مبالغة أو غموض.

وتشير بعض دراسات علم النفس إلى أن الشعور بالأمان داخل العلاقة يسهم في خفض مستويات القلق والتوتر، ويحد من أنماط التفكير المفرط المرتبطة بتفسير النوايا أو ترقب التغيرات السلوكية لدى الطرف الآخر؛ كما ينعكس هذا الاستقرار إيجابيًا على الأداء الذهني والقدرة على الإبداع، نتيجة توجيه الطاقة نحو مجالات أكثر إنتاجية بدلًا من استنزافها في محاولات الدفاع المستمر أو السعي لإثبات الاستحقاق.

في المقابل، قد يلجأ بعض الأفراد إلى تبني خطاب عاطفي لا تدعمه ممارسات فعلية، فيظهر التباين بين التصريح والسلوك، أو يتم التقليل من إنجازات الطرف الآخر كآلية دفاعية للحفاظ على توازن داخلي هش؛ وغالبًا ما تتجلى هذه الأنماط في محاولات البقاء ضمن الدوائر القريبة للطرف الآخر، دون القدرة على الاستمرار في علاقة تقوم على الشفافية والالتزام الحقيقي.

العلاقة الآمنة لا تحتاج إلى إعلان مستمر بقدر ما تُقاس بثبات الشعور واستدامة الطمأنينة؛ والاستمرار في علاقة تعزز هذا السلام النفسي لا يُعد تمسكًا عاطفيًا بقدر ما يمثل اختيارًا واعيًا يوازن بين الاحتياج الإنساني للنمو والحق في الشعور بالاستقرار.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن العلاقة الداعمة لا تُنقذ الإنسان من تحديات الحياة، لكنها تمنحه القدرة على مواجهتها بهدوء، وتجعله أكثر استعدادًا لخوض تجاربه اليومية بمرونة نفسية واتزان وجداني.

توأم الروح لا يُنقذ من الحياة، بل يجعل عيشها ممكنًا بسلام.
التعليقات