#عــــــاجل الحقيقة

×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

الذكاء الاصطناعي.. حين يرتدي الوهم بطاقة "إعلامي"

الذكاء الاصطناعي.. حين يرتدي الوهم بطاقة "إعلامي"
بقلم : عامر آل عامر 
لم يعد السؤال: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب الخبر؟

السؤال الأكثر إلحاحًا هو: ماذا يحدث للإعلام عندما يصبح إنتاج المحتوى أسهل من امتلاك المعرفة التي تمنحه قيمته؟

في الماضي، كان الإعلامي يُصنع ببطء. يبدأ من الميدان، يتعلم كيف يسأل، وكيف يبحث عن المصدر، وكيف يفرق بين المعلومة والانطباع، ثم يدرك أن وراء كل خبر مسؤولية، وأن خطأً واحدًا قد يهدم ثقة بُنيت خلال سنوات.

أما اليوم، فقد اختصرت التقنية جزءًا كبيرًا من هذا الطريق. بضغطة زر، يمكن إنتاج مقال متماسك، وصورة احترافية، وفيديو جذاب، وصوت يبدو حقيقيًا. وأصبح من الممكن أن يظهر شخص أمام الجمهور بمظهر الصحفي أو المحلل، من دون أن تكون لديه بالضرورة الخبرة التي تؤهله لذلك.

وهنا لا تكمن المشكلة في أن الآلة تكتب، بل في أن جودة ما تنتجه قد تجعل غياب الخبرة أقل وضوحًا.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع تحسين اللغة، وترتيب الأفكار، وتلخيص المعلومات، لكنه لا يتحمل مسؤولية الحقيقة بدلًا عن الإنسان. قد يقترح إجابة مقنعة، لكن الصحفي هو من يجب أن يسأل: من أين جاءت هذه المعلومة؟ هل يمكن التحقق منها؟ ما الذي ينقصها؟ ومن قد يتضرر إذا كانت خاطئة؟

وهذه أسئلة لا تُحل بجمال الصياغة.

المهنة الإعلامية لا تقوم على الكتابة وحدها، بل على القدرة على التمييز والحكم واتخاذ القرار. فالصحفي قد يمتلك عشر معلومات، لكنه يعرف أن نشر ثلاث منها فقط هو القرار المهني الصحيح. وقد يسمع روايتين متناقضتين، فيرفض الاستعجال حتى يصل إلى ما يمكن إثباته. وقد يملك خبرًا مثيرًا، لكنه يدرك أن نشره قبل اكتمال التحقق منه ليس سبقًا صحفيًا، بل مخاطرة بمصداقية المهنة.

هنا تحديدًا تظهر قيمة الإعلامي.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعد الصحفي في الوصول إلى المعلومة وتحليلها وصياغتها، لكنه لا يستطيع أن يعيش مكانه تجربة الميدان، ولا أن يتحمل عنه تبعات قرار النشر.

ومن الخطأ أن ننظر إلى استخدام الذكاء الاصطناعي باعتباره دليلًا على ضعف الصحفي أو تهديدًا للمهنة. على العكس، سيصبح استخدامه جزءًا طبيعيًا من العمل الإعلامي، مثلما أصبحت الكاميرا والحاسوب والإنترنت أدوات أساسية في مراحل سابقة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأداة إلى بديل عن الكفاءة.

عندها يصبح لدينا محتوى كثير، لكن معرفة أقل؛ أصوات كثيرة، لكن مصادر أقل؛ محللون أكثر، لكن مسؤولية أقل.

وهذا هو الخطر الحقيقي: أن نبدأ بقياس الإعلامي بما ينتجه، بدلًا مما يعرفه، وبسرعته، بدلًا من دقته، وبعدد متابعيه، بدلًا من مقدار الثقة التي يستحقها.

قد يكون أكثر الأشخاص إنتاجًا هو الأقل قدرة على التحقق.

وقد يكون صاحب الحساب الأصغر هو الأكثر مهنية.

وقد تكون عبارة "لا أعلم" أكثر قيمة من إجابة طويلة صاغتها آلة في ثوانٍ.

لذلك، لن تكون معركة الإعلام القادمة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، وإنما بين الاستخدام المسؤول للتقنية والاستخدام الذي يحولها إلى قناع لإخفاء نقص الخبرة.

المطلوب ليس أن نخاف من الذكاء الاصطناعي، بل أن نرفع معايير المهنة معه.

أن نعرف من كتب، ومن تحقق، ومن تحمل المسؤولية.

وأن ندرك أن إنتاج المحتوى لا يساوي ممارسة الإعلام.

فقد تستطيع الآلة أن تصنع لك نصًا يبدو صحفيًا، لكنها لا تستطيع أن تمنح صاحبه تجربة لم يعشها، ولا حكمًا مهنيًا لم يتعلمه، ولا ضميرًا يحاسبه قبل أن يضغط زر النشر.

سيصبح امتلاك التقنية أمرًا عاديًا، لكن امتلاك المصداقية سيصبح أكثر ندرة.

وفي زمن تستطيع فيه الآلة أن تجعل الجميع قادرين على الكلام، ستزداد قيمة الإنسان الذي يعرف متى يتحدث، وماذا يقول، ومتى يختار أن يقول:

"لا أعلم".

لأن المستقبل لن يحتاج إلى مزيد من الأشخاص الذين يستطيعون أن يبدوا إعلاميين.

سيحتاج إلى مزيد من الإعلاميين الذين يستحقون أن نصدقهم.

وهنا يكمن الفارق الحقيقي بين من يستخدم الذكاء الاصطناعي لصناعة المحتوى، ومن يستخدمه لصناعة الوهم.
التعليقات 0
التعليقات 0
أكثر