السنة الأخيرة.. حين يقترب التخرج ويبدأ القلق

بقلم / كوثر العوفي
ليست السنة الأخيرة في الجامعة مجرد فصل دراسي أخير، أو مجموعة من المواد التي ينتظر الطالب اجتيازها للوصول إلى وثيقة التخرج، إنها مرحلة مختلفة تتداخل فيها مشاعر متناقضة، بين فرحة الوصول وقلق الرحيل، وبين الحماس لما هو قادم والخوف من مستقبل لم تتضح ملامحه بعد.
طوال السنوات الجامعية، يبدو التخرج هدفًا بعيدًا يستحق الانتظار. لكن حين يصبح قريبًا، تتغير النظرة إليه. يتحول الحلم الذي كان يمنح الطالب شعورًا بالإنجاز إلى موعد يحمل معه أسئلة كثيرة. ماذا بعد الجامعة؟ أين ستكون الخطوة الأولى؟ وهل أنا مستعد فعلًا لمواجهة الحياة المهنية؟
ما يجعل السنة الأخيرة مختلفة ليس ضغط الدراسة وحده، وإنما إدراك الطالب أن مرحلة كاملة من حياته تقترب من نهايتها. فالأماكن التي اعتاد وجوده فيها، والقاعات التي شهدت بداياته وتعثراته، والأساتذة الذين ترك بعضهم أثرًا يتجاوز حدود المقرر، والأصدقاء الذين شاركوه ساعات الدراسة والقلق والضحك، كلها تصبح فجأة أكثر قيمة.
في السنوات السابقة، كان الطالب يعيش تفاصيل الجامعة دون أن يفكر كثيرًا في نهايتها. أما في السنة الأخيرة، فيبدأ بالنظر إلى الأشياء بعين مختلفة. جلسة مع الأصدقاء قد تبدو أكثر أهمية، والفعالية الجامعية قد تحمل شيئًا من الحنين، وحتى الطريق المعتاد إلى القاعة يصبح مشبعًا بإحساس خفي بأن هذه الأيام لن تستمر طويلًا.
وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات السنة الأخيرة وضوحًا، أن يعيش الإنسان لحظاته الأخيرة في مرحلة ما، وهو لا يزال في داخلها.
إذا كان الحنين يمثل جانبًا من القلق، فإن المستقبل يمثل الجانب الآخر والأكثر حضورًا. فبعد التخرج، لا يعود هناك جدول دراسي يحدد الخطوة التالية، ولا فصل جديد يمنح الطالب فرصة إضافية للتأجيل.
يجد الخريج نفسه أمام سوق عمل يتطلب مهارات وخبرات، وأمام منافسة واسعة، وقرارات تتعلق بالوظيفة والتخصص والدراسات العليا، وربما الانتقال إلى مدينة جديدة أو خوض تجربة مهنية لم يختبرها من قبل.
ويزداد هذا القلق عندما يقارن الطالب نفسه بزملائه. أحدهم حصل على تدريب، وآخر بدأ في بناء خبرته المهنية، وثالث يعرف تمامًا ما يريد، بينما لا يزال هو يبحث عن الطريق المناسب. إلا أن اختلاف التوقيت بين الأشخاص لا يعني اختلاف قيمتهم أو فرصهم، فلكل تجربة ظروفها ومسارها الخاص.
السنة الأخيرة تمنح الطالب فرصة مهمة للانتقال التدريجي من التفكير في التخرج إلى التفكير فيما بعده. فالاستعداد للمستقبل لا يبدأ بعد استلام وثيقة التخرج، بل يمكن أن يبدأ من الأسابيع والشهور الأخيرة في الجامعة.
وتأتي هنا أهمية بناء السيرة الذاتية، وتطوير المهارات، والاستفادة من التدريب العملي، والتعرف إلى متطلبات سوق العمل، وتوسيع شبكة العلاقات المهنية، إلى جانب استثمار مشاريع الجامعة بوصفها تجارب يمكن البناء عليها بعد التخرج.
لكن الاستعداد لا يعني أن يكون الطالب قادرًا على الإجابة عن كل أسئلة المستقبل. فالحياة المهنية نفسها مساحة للتعلم، وكثير من المسارات لا تتضح إلا بعد خوض التجربة.
وسط الاستعداد للمستقبل، قد يقع الطالب في فخ التعامل مع السنة الأخيرة باعتبارها قائمة طويلة من المهام، مشروع تخرج، اختبارات، تدريب، سيرة ذاتية، مقابلات، وتقديم على الوظائف. ومع كثرة الانشغال بما بعد الجامعة، قد ينسى أن هذه الأيام نفسها تستحق أن تُعاش.
فالجامعة ليست فقط درجات وشهادة، وإنما مرحلة كاملة من العلاقات والتجارب والنضج الشخصي. وقد تكون بعض أكثر الذكريات رسوخًا في الذاكرة مرتبطة بتفاصيل تبدو عابرة وقت حدوثها، حديث طويل بعد محاضرة، جلسة دراسة امتدت لساعات، ضحكة في أحد الممرات، أو صديق أصبح جزءًا من الحياة اليومية ثم فرّقت بينهما الطرق بعد التخرج.
لذلك، لا ينبغي أن يتحول الاستعداد للمستقبل إلى سبب لفقدان الحاضر.
السنة الأخيرة لا تحتاج إلى طالب لا يخاف، بل إلى طالب يعرف كيف يتعامل مع خوفه. فمن الطبيعي أن يشعر الإنسان بالقلق عندما يقف أمام مرحلة جديدة لا يعرف تفاصيلها. والمهم ألا يتحول هذا القلق إلى عائق يمنعه من التقدم.
التخرج لا يعني أن كل شيء أصبح واضحًا، ولا يعني أن النجاح سيأتي مباشرة بعد مغادرة الجامعة. إنه ببساطة انتقال إلى مساحة جديدة يصبح فيها الإنسان أكثر مسؤولية عن خياراته، وأكثر قدرة على رسم طريقه بنفسه.
وفي نهاية المطاف، سيكتشف الطالب أن الجامعة لم تكن مجرد مكان حصل فيه على المعرفة، بل مساحة تشكلت فيها شخصيته أيضًا. سيدخلها في يومه الأول وهو يحمل كثيرًا من الأسئلة، وسيغادرها وهو يحمل أسئلة أخرى، لكن الفرق أنه أصبح أكثر قدرة على البحث عن إجاباتها.
السنة الأخيرة إذن ليست عدًا تنازليًا لنهاية الجامعة، بل فرصة للوقوف قليلًا بين مرحلتين، النظر إلى الطريق الذي قطعه الطالب، والاستعداد للطريق الذي لم يبدأ بعد.
قد يخيفنا المستقبل لأنه مجهول، لكن المجهول ليس بالضرورة مخيفًا. أحيانًا يكون المكان الذي تنتظر فيه أفضل البدايات.
فالتخرج ليس اللحظة التي تنتهي فيها الرحلة، بل اللحظة التي يصبح فيها الطريق ملكك أكثر من أي وقت مضى.
ليست السنة الأخيرة في الجامعة مجرد فصل دراسي أخير، أو مجموعة من المواد التي ينتظر الطالب اجتيازها للوصول إلى وثيقة التخرج، إنها مرحلة مختلفة تتداخل فيها مشاعر متناقضة، بين فرحة الوصول وقلق الرحيل، وبين الحماس لما هو قادم والخوف من مستقبل لم تتضح ملامحه بعد.
طوال السنوات الجامعية، يبدو التخرج هدفًا بعيدًا يستحق الانتظار. لكن حين يصبح قريبًا، تتغير النظرة إليه. يتحول الحلم الذي كان يمنح الطالب شعورًا بالإنجاز إلى موعد يحمل معه أسئلة كثيرة. ماذا بعد الجامعة؟ أين ستكون الخطوة الأولى؟ وهل أنا مستعد فعلًا لمواجهة الحياة المهنية؟
ما يجعل السنة الأخيرة مختلفة ليس ضغط الدراسة وحده، وإنما إدراك الطالب أن مرحلة كاملة من حياته تقترب من نهايتها. فالأماكن التي اعتاد وجوده فيها، والقاعات التي شهدت بداياته وتعثراته، والأساتذة الذين ترك بعضهم أثرًا يتجاوز حدود المقرر، والأصدقاء الذين شاركوه ساعات الدراسة والقلق والضحك، كلها تصبح فجأة أكثر قيمة.
في السنوات السابقة، كان الطالب يعيش تفاصيل الجامعة دون أن يفكر كثيرًا في نهايتها. أما في السنة الأخيرة، فيبدأ بالنظر إلى الأشياء بعين مختلفة. جلسة مع الأصدقاء قد تبدو أكثر أهمية، والفعالية الجامعية قد تحمل شيئًا من الحنين، وحتى الطريق المعتاد إلى القاعة يصبح مشبعًا بإحساس خفي بأن هذه الأيام لن تستمر طويلًا.
وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات السنة الأخيرة وضوحًا، أن يعيش الإنسان لحظاته الأخيرة في مرحلة ما، وهو لا يزال في داخلها.
إذا كان الحنين يمثل جانبًا من القلق، فإن المستقبل يمثل الجانب الآخر والأكثر حضورًا. فبعد التخرج، لا يعود هناك جدول دراسي يحدد الخطوة التالية، ولا فصل جديد يمنح الطالب فرصة إضافية للتأجيل.
يجد الخريج نفسه أمام سوق عمل يتطلب مهارات وخبرات، وأمام منافسة واسعة، وقرارات تتعلق بالوظيفة والتخصص والدراسات العليا، وربما الانتقال إلى مدينة جديدة أو خوض تجربة مهنية لم يختبرها من قبل.
ويزداد هذا القلق عندما يقارن الطالب نفسه بزملائه. أحدهم حصل على تدريب، وآخر بدأ في بناء خبرته المهنية، وثالث يعرف تمامًا ما يريد، بينما لا يزال هو يبحث عن الطريق المناسب. إلا أن اختلاف التوقيت بين الأشخاص لا يعني اختلاف قيمتهم أو فرصهم، فلكل تجربة ظروفها ومسارها الخاص.
السنة الأخيرة تمنح الطالب فرصة مهمة للانتقال التدريجي من التفكير في التخرج إلى التفكير فيما بعده. فالاستعداد للمستقبل لا يبدأ بعد استلام وثيقة التخرج، بل يمكن أن يبدأ من الأسابيع والشهور الأخيرة في الجامعة.
وتأتي هنا أهمية بناء السيرة الذاتية، وتطوير المهارات، والاستفادة من التدريب العملي، والتعرف إلى متطلبات سوق العمل، وتوسيع شبكة العلاقات المهنية، إلى جانب استثمار مشاريع الجامعة بوصفها تجارب يمكن البناء عليها بعد التخرج.
لكن الاستعداد لا يعني أن يكون الطالب قادرًا على الإجابة عن كل أسئلة المستقبل. فالحياة المهنية نفسها مساحة للتعلم، وكثير من المسارات لا تتضح إلا بعد خوض التجربة.
وسط الاستعداد للمستقبل، قد يقع الطالب في فخ التعامل مع السنة الأخيرة باعتبارها قائمة طويلة من المهام، مشروع تخرج، اختبارات، تدريب، سيرة ذاتية، مقابلات، وتقديم على الوظائف. ومع كثرة الانشغال بما بعد الجامعة، قد ينسى أن هذه الأيام نفسها تستحق أن تُعاش.
فالجامعة ليست فقط درجات وشهادة، وإنما مرحلة كاملة من العلاقات والتجارب والنضج الشخصي. وقد تكون بعض أكثر الذكريات رسوخًا في الذاكرة مرتبطة بتفاصيل تبدو عابرة وقت حدوثها، حديث طويل بعد محاضرة، جلسة دراسة امتدت لساعات، ضحكة في أحد الممرات، أو صديق أصبح جزءًا من الحياة اليومية ثم فرّقت بينهما الطرق بعد التخرج.
لذلك، لا ينبغي أن يتحول الاستعداد للمستقبل إلى سبب لفقدان الحاضر.
السنة الأخيرة لا تحتاج إلى طالب لا يخاف، بل إلى طالب يعرف كيف يتعامل مع خوفه. فمن الطبيعي أن يشعر الإنسان بالقلق عندما يقف أمام مرحلة جديدة لا يعرف تفاصيلها. والمهم ألا يتحول هذا القلق إلى عائق يمنعه من التقدم.
التخرج لا يعني أن كل شيء أصبح واضحًا، ولا يعني أن النجاح سيأتي مباشرة بعد مغادرة الجامعة. إنه ببساطة انتقال إلى مساحة جديدة يصبح فيها الإنسان أكثر مسؤولية عن خياراته، وأكثر قدرة على رسم طريقه بنفسه.
وفي نهاية المطاف، سيكتشف الطالب أن الجامعة لم تكن مجرد مكان حصل فيه على المعرفة، بل مساحة تشكلت فيها شخصيته أيضًا. سيدخلها في يومه الأول وهو يحمل كثيرًا من الأسئلة، وسيغادرها وهو يحمل أسئلة أخرى، لكن الفرق أنه أصبح أكثر قدرة على البحث عن إجاباتها.
السنة الأخيرة إذن ليست عدًا تنازليًا لنهاية الجامعة، بل فرصة للوقوف قليلًا بين مرحلتين، النظر إلى الطريق الذي قطعه الطالب، والاستعداد للطريق الذي لم يبدأ بعد.
قد يخيفنا المستقبل لأنه مجهول، لكن المجهول ليس بالضرورة مخيفًا. أحيانًا يكون المكان الذي تنتظر فيه أفضل البدايات.
فالتخرج ليس اللحظة التي تنتهي فيها الرحلة، بل اللحظة التي يصبح فيها الطريق ملكك أكثر من أي وقت مضى.