#عــــــاجل الحقيقة

×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

حين تحدّث الرقم 2820

حين تحدّث الرقم 2820
بقلم : عامر آل عامر 
لم يكن مساء اليوم مختلفًا عن غيره.

فتحت يوزر النشر الخاص بي في صحيفة الحقيقة، كما أفعل في كثير من الأيام، دون أن أتوقع أن أجد أمامي شيئًا سيأخذني للحظات بعيدًا عن شاشة الهاتف، إلى سنوات مضت.

نظرت إلى خانة الأخبار التي تحمل اسمي...

2820 خبرًا.

توقفت.

ليس لأن الرقم كبير فحسب، بل لأنني أعرف جيدًا أن بعض الأرقام تحمل خلفها أعمارًا من التعب، وأن هناك أرقامًا لا تُقرأ بالأعداد، وإنما تُقرأ بالذكريات.

كان بإمكاني أن أرى 2820 خبرًا منشورًا.

لكنني رأيت أكثر من ذلك بكثير.

رأيت صباحات بدأت قبل أن يبدأ يومي، وليالي انتهت بعد أن انتهى يوم الآخرين.

رأيت أخبارًا كتبتها في أوقات لم يكن فيها المزاج مناسبًا، وأيامًا كان الإرهاق فيها أثقل من أن يُشرح، ومع ذلك كان هناك دائمًا صوت داخلي يقول:

أكمل.

رأيت محطات شككت فيها في جدوى الطريق، ثم عدت إليه.

رأيت أبوابًا لم تُفتح، وطرقًا لم تكن ممهدة، وظروفًا كان من السهل أن تجعلني أقول: يكفي.

لكنني لم أقلها.

وهنا تحديدًا تكمن قيمة الرقم.

فأنا لا أعتز بـ2820 لأنها مجرد حصيلة، بل لأنها دليل على أن الاستمرار قادر على تحويل الأيام العادية إلى إنجاز استثنائي.

لم تأتِ هذه الرحلة صدفة.

ولم تكن الواسطة طريقًا إليها.

ولم أصنع ما وصلت إليه بالاعتماد على شخص يحمل عني الطريق.

كانت هناك يد واحدة تحمل العبء في كل مرة...

يدي.

وكان هناك شيء واحد ظل حاضرًا في كل المراحل...

الإصرار.

لم يكن الطريق مفروشًا بالنجاحات.

كانت فيه أخطاء تعلمت منها، وتعثرات نهضت بعدها، وأيام شعرت فيها أن ما أبذله أكبر من النتائج التي أراها.

لكنني اكتشفت مع الوقت أن بعض الثمار تحتاج إلى صبر أطول من توقعاتنا.

وأن العمل الذي نؤديه بصمت قد يتأخر صوته، لكنه لا يضيع.

اليوم، حين رأيت اسمي بجوار الرقم 2820، هانت عليّ أشياء كثيرة.

هان التعب.

وهانت بعض المواقف.

وهانت الساعات التي ظننت يومًا أنها ذهبت دون مقابل.

لأنني أدركت أن كل ذلك لم يكن ضائعًا.

كان يبني شيئًا.

شيئًا اسمه:

التجربة.

والتجربة هي الثروة الحقيقية لأي شخص يعمل في الإعلام.

فالخبر ليس مجرد كلمات.

والعنوان ليس مجرد سطر.

والنشر ليس مجرد ضغط زر.

خلف كل ذلك مسؤولية، ودقة، وضمير، وحرص على أن تصل الحقيقة كما ينبغي أن تصل.

ومن هنا أصبحت أنظر إلى كل خبر يحمل اسمي بطريقة مختلفة.

لا أسأل فقط: كم نشرت؟

بل أسأل:

ماذا تركت؟

هل كنت دقيقًا؟

هل كنت أمينًا؟

هل أضفت شيئًا؟

هل احترمت عقل القارئ؟

هل كان اسمي تحت المادة يستحق أن يكون هناك؟

هذه الأسئلة أهم عندي من الرقم نفسه.

ومع ذلك...

سأسمح لنفسي اليوم بأن أفخر.

نعم، أفخر.

فالاعتزاز بالإنجاز ليس غرورًا عندما تعرف كم دفعت من عمرك حتى تصنعه.

والفرح بالوصول ليس تعاليًا عندما تعرف كم مرة أوشكت على التراجع ثم اخترت البقاء.

أنا فخور بـ2820.

وفخور بكل يوم أوصلني إليها.

وفخور بأنني لم أنتظر أحدًا ليصنع لي الطريق.

صنعته وأنا أمشي.

وقد لا تكون خطواتي دائمًا الأسرع، لكنها كانت خطواتي أنا.

ولهذا فإن أجمل ما في الرقم أنه لا يقول فقط:

2820 خبرًا نُشر باسم عامر آل عامر.

بل يقول شيئًا أعمق:

2820 مرة قال فيها هذا الرجل للتعب: لن أتوقف.

وحين أعود بذاكرتي إلى البداية، أشعر أن الإنسان لا يعرف أبدًا إلى أين يمكن أن توصله خطوة صغيرة.

قد يبدأ بخبر واحد...

ثم خبر ثانٍ...

ثم مئات الأخبار...

ثم يجد نفسه بعد سنوات واقفًا أمام رقم لم يكن يتخيل يومًا أنه سيصل إليه.

وهكذا هي الحياة.

لا تمنحنا دائمًا ما نريده في الوقت الذي نريده، لكنها أحيانًا تمنحنا شيئًا أجمل:

أن ننظر إلى الوراء، فنكتشف أننا أصبحنا أقوى مما كنا نظن.

لذلك، لم تكن لحظة رؤية الرقم 2820 بالنسبة لي مجرد لحظة فخر.

كانت لحظة مصالحة مع كل التعب الذي مررت به.

وكأن الرقم قال لي:

لا تندم على الطريق... لقد أوصلك.

وأنا اليوم لا أنظر إلى 2820 باعتبارها نهاية.

بل باعتبارها شاهدًا على ما مضى، ووعدًا بما سيأتي.

فما زال لدي الكثير لأتعلمه، والكثير لأكتبه، والكثير لأقدمه.

وما زلت أؤمن أن أجمل إنجاز هو الذي لم نصل إليه بعد.

لذلك سأغلق هذه الصفحة وأنا أبتسم...

ليس لأنني وصلت إلى 2820.

بل لأنني أعرف أن وراء هذا الرقم قصة كاملة من الصبر والتعب والإصرار.

2820 خبرًا...

وراء كل خبر حكاية.

وراء كل حكاية خطوة.

وراء كل خطوة تعب.

وراء كل تعب إصرار.

وراء كل ذلك شخص قرر، في كل مرة كان يستطيع فيها أن يتوقف...

أن يستمر.

والحكاية لم تنتهِ بعد.
التعليقات 0
التعليقات 0
أكثر