#عــــــاجل الحقيقة

×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

آخر صانع طرابيش في لبنان

آخر صانع طرابيش في لبنان
بقلم / كوثر العوفي 

في قلب سوق طرابلس القديم، حيث تتشابك الأزقة الضيقة وتتجاور الدكاكين والورش التي حفظت ملامح المدينة جيلاً بعد جيل، تقف ورشة محمد الشعار شاهدة على زمن يتراجع ببطء. بين أقمشة حمراء وأدوات يدوية بسيطة، يواصل رجل طرابلسي في الثامنة والثلاثين صناعة الطربوش، في مهنة باتت اليوم مهددة بالاندثار، حتى أصبح واحداً من آخر من يحملون أسرارها في لبنان.

ليس الطربوش مجرد غطاء للرأس، بل قطعة من ذاكرة المشرق وملامح حقبة كاملة. يعود تاريخ هذا الغطاء المصنوع من الصوف المضغوط المعروف باللباد إلى عصور قديمة، غير أنه اكتسب انتشاراً واسعاً خلال العهد العثماني، حين أصبح ارتداؤه جزءاً من المظهر الرسمي ورمزاً للمكانة الاجتماعية.

وفي لبنان، تجاوز الطربوش وظيفته التقليدية ليصبح جزءاً من الحياة اليومية والهوية البصرية للمدن. كان الرجال يرتدونه بفخر، وكانت طريقة وضعه تحمل أحياناً إشارات يفهمها أبناء ذلك الزمن. ويروي الشعار أن ميل الطربوش قليلاً نحو اليمين أو اليسار كان قد يُستخدم بين الشباب كإشارة صامتة للتودد والمغازلة.

لم يختر محمد الشعار هذه المهنة بقدر ما اختارته هي. فقد ورثها عن عائلته التي امتهنت صناعة الطرابيش لأكثر من 125 عاماً، وانتقلت أسرارها من أب إلى ابن حتى وصلت إليه. إلا أن رحلة تعلّمه لم تكتمل في طرابلس، إذ سافر إلى مصر ليتقن أصول الحرفة، قبل أن يعود إلى مدينته ويبدأ ممارسة المهنة فيها، مستمراً في ذلك منذ ما يقارب ربع قرن.

في ورشته الصغيرة، تبدو صناعة الطربوش أقرب إلى طقس يحفظ تفاصيل الماضي. يختار الشعار ألوانه بعناية، بين العنابي والأخضر والأسود، ثم يضيف الزخارف والتطريزات التي قد تحمل أحياناً شعار الأرزة اللبنانية، أو تأتي بتصاميم بسيطة تحافظ على الشكل التقليدي للطربوش وروحه.

لكن الزمن لم يعد كما كان. فالطربوش الذي كان يوماً جزءاً من اللباس اليومي لم يعد يحضر في حياة الناس بالطريقة نفسها، وأصبح في الغالب قطعة رمزية أو تذكاراً يقتنيه السياح، أو يظهر في مناسبات تقليدية محدودة. ومع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة التي أثقلت لبنان، تراجع الطلب أكثر، وأصبحت هذه الحرفة تكافح من أجل البقاء.

ومع ذلك، لا يبدو محمد الشعار مستعداً للتخلي عنها. فبالنسبة إليه، المسألة لا تتعلق بمهنة توفر دخلاً فحسب، بل بإرث حمله على كتفيه وأصبح جزءاً من هويته. يقول إنه يشعر بأن روحه مرتبطة بهذه الحرفة، ولذلك يواصل العمل رغم تقلص السوق وتراجع عدد المهتمين بالطربوش.

قصة الشعار ليست قصة رجل يصنع غطاءً للرأس وحسب، بل حكاية حرفة تتشبث بالحياة في زمن تغيرت فيه الأذواق والملابس والمدن. فالطربوش كان يوماً جزءاً من المشهد اليومي لمدن المشرق، وحاملاً لملامح اجتماعية وثقافية ارتبطت بمرحلة تاريخية امتدت لعقود طويلة.

وحين يقترب آخر صانع طرابيش من نهاية الطريق، لا تختفي قطعة من القماش واللباد فحسب، بل يهدد الغياب جزءاً من الذاكرة البصرية لمدينة كاملة. مدينة كانت طرابلس فيها ترى أبناءها بطرابيش حمراء تملأ شوارعها، قبل أن تتراجع تلك الصورة شيئاً فشيئاً، ويبقى رجل واحد في ورشة صغيرة وسط السوق، يمسك بأدواته ويواصل صناعة ما تبقى من الذاكرة، طربوشاً بعد طربوش، وخيطاً بعد خيط.
التعليقات 0
التعليقات 0
أكثر